عمرو أبوالعطا
متى يكون التحول خيانة للفكرة، ومتى يكون وفاءً للحقيقة؟ ومتى يخرج الإنسان من عقيدة إلى أخرى لأنه فقد إيمانه بما كان يعتقد، ومتى يخرج منها لأنه اكتشف أن الحقيقة أوسع من الإطار الذي حاصرها فيه؟ ولعل السؤال الأهم: ماذا يفعل المفكر حين يجد نفسه أمام فكرة أحبها ودافع عنها، ثم يكتشف أن المؤسسة التي حملت هذه الفكرة أصبحت تطلب منه الولاء أكثر مما تطلب منه التفكير؟ عند هذه النقطة لا يعود التحول مجرد انتقال من موقع إلى موقع، وإنما يصبح امتحانًا للضمير والعقل معًا، لأن الإنسان إذا بقي في المكان الذي لم يعد يؤمن به خسر نفسه، وإذا خرج منه من دون مراجعة عميقة ربما حمل معه اليقين القديم إلى ثوب جديد.
في هذه المنطقة بالذات تقف تجربة روجيه جارودي، المفكر الفرنسي الذي يصعب اختزاله في تعريف واحد، فقد كان مسيحيًا، ثم ماركسيًا، ومناضلًا في المقاومة، وسياسيًا، وفيلسوفًا، وناقدًا للرأسمالية والاستعمار، ثم دخل الإسلام، وانشغل بالحوار بين الحضارات، وظل طوال هذه الرحلة يحاول أن يجد صيغة تجعل الإنسان أكثر حرية وعدلًا وقدرة على مقاومة القوى التي تختزله في طبقة أو سوق أو جماعة أو عقيدة مغلقة. لذلك فإن قراءة جارودي من خلال محطاته وحدها تضيّع المعنى الأعمق لتجربته، لأن المسألة لم تكن في كل مرة انتقالًا من فكرة إلى فكرة، وإنما كانت عودة متكررة إلى سؤال الإنسان: كيف يمكن أن نؤمن بفكرة من دون أن نصبح أسرى لها؟
ولد جارودي في مرسيليا سنة 1913، ونشأ في بيئة مسيحية، وعرف في شبابه تحولات دينية قادته من البروتستانتية إلى الكاثوليكية، قبل أن يجد في الماركسية إجابة عن الأسئلة التي كانت تتصل بالظلم والاستغلال ومصير الإنسان. كان انجذابه إلى الماركسية جزءًا من المناخ الفكري والسياسي الذي صنع جيلًا كاملًا في أوروبا، حيث بدا لكثير من المثقفين أن الرأسمالية عاجزة عن تحقيق العدالة، وأن النظام الذي يقوم على تفاوت الثروة واستغلال الإنسان يحتاج إلى بديل أكثر قدرة على إعادة توزيع القوة والثروة.
لكن جارودي لم يدخل الماركسية باعتبارها نظامًا مغلقًا، وإنما وجد فيها وعدًا بتحرير الإنسان، وهذه النقطة هي التي ستصبح لاحقًا معيارًا للحكم عليها. فإذا كانت الفكرة قد جاءت من أجل الإنسان، فإنها تفقد مشروعيتها حين يتحول الإنسان إلى تابع لها، وإذا كان الهدف هو تحرير الفرد من الاستغلال، فإن التنظيم الذي يمنعه من التفكير الحر يدخل في تناقض مع الغاية التي يدعي الدفاع عنها.
ثم جاءت الحرب العالمية الثانية لتضع كل الأفكار أمام امتحان الواقع. شارك جارودي في المقاومة الفرنسية، واعتقلته حكومة فيشي سنة 1941 واحتجزته في الجزائر، قبل أن يُطلَق سراحه سنة 1943. وبعد الحرب دخل الحياة السياسية؛ فانتُخب نائبًا سنة 1945، ثم انتُخب سيناتورًا عن السين سنة 1959، قبل أن يستقيل من عضويته في أكتوبر 1962. وظل واحدًا من أبرز المثقفين المرتبطين بالحزب الشيوعي الفرنسي، جامعًا بين الكتابة والنشاط السياسي، إلى أن أُقصي من الحزب سنة 1970.
غير أن السياسة كشفت له الوجه الآخر للفكرة حين تدخل المؤسسة. فقد انتقد الغزو السوفييتي لتشيكوسلوفاكيا سنة 1968، ورفض أن يكون الانتماء الحزبي سببًا في إسكات الضمير، وانتهى الخلاف بفصله من الحزب الشيوعي سنة 1970. وكانت تلك اللحظة أكثر من نهاية لعلاقة سياسية؛ فقد كانت اختبارًا للمبدأ الذي سيظل يحكم تجربته بعد ذلك: لا قيمة لفكرة تحريرية إذا أصبحت تطلب من الإنسان أن يتنازل عن حريته كي يحافظ عليها.
ومنذ ذلك الوقت اتسع نقده من الشيوعية إلى الحضارة الغربية الحديثة نفسها، إذ لم يعد السؤال عنده متعلقًا بالنظام السياسي وحده، وإنما بالبنية الفكرية التي تجعل التقدم التقني والاقتصادي معيارًا للتقدم الإنساني. لم يكن جارودي يرفض العلم أو العقل، وإنما كان يرفض اختزال الإنسان فيما يستطيع إنتاجه واستهلاكه والسيطرة عليه، ويرى أن التقنية تستطيع أن تزيد قوة الإنسان من دون أن تمنحه بالضرورة الحكمة التي تحدد الغاية من هذه القوة. فماذا يفيد الإنسان أن يمتلك وسائل هائلة لتغيير العالم إذا عجز عن تحديد العالم الذي يريد أن يصنعه؟
ومن هذا النقد نشأ اهتمامه بالحضارات غير الغربية، فقد رأى أن الغرب ارتكب خطأ حين قدم تجربته التاريخية الخاصة باعتبارها الطريق الوحيد الذي ينبغي أن تسلكه البشرية، وأن الحضارات الأخرى ليست مراحل ناقصة في طريقها إلى النموذج الغربي، وإنما تجارب إنسانية تمتلك رؤى مختلفة في الدين والأخلاق والمجتمع والعلاقة بالطبيعة. وكان الإسلام أكثر هذه التجارب حضورًا في تفكيره، إلى أن أعلن إسلامه سنة 1982 واتخذ اسم «رجاء».
لم يكن دخوله الإسلام قطيعة مع ماضيه بقدر ما كان استمرارًا لسؤال بدأ معه منذ شبابه؛ فقد وجد في التوحيد، وفق قراءته، أساسًا لتحرير الإنسان من الخضوع المطلق لأي قوة أرضية، ورأى في الإسلام إمكانية للجمع بين الإيمان والعمل، وبين الروح والعدالة، وبين الحرية والمسؤولية. وقد ساعدته صلته بالعالم العربي وزوجته الفلسطينية وقراءاته للمصادر الإسلامية والعربية على إعادة النظر في الصورة التي كانت الثقافة الغربية تقدمها عن الحضارة الإسلامية، فرأى فيها حضارة شاركت في بناء المعرفة الإنسانية، وامتلكت قدرة على التفاعل مع الحضارات الأخرى وإعادة إنتاج ما أخذته منها ضمن تجربتها الخاصة.
وكان هذا مهمًا بالنسبة إلى جارودي لأن الإسلام الذي بحث عنه لم يكن مجرد ملجأ من أزمة الغرب، وإنما كان مشروعًا يستطيع أن يدخل في أسئلة العصر. أراد أن يرى الدين قوة أخلاقية واجتماعية قادرة على مقاومة الظلم، لا مجرد هوية موروثة، ولذلك ظل اهتمامه بالإسلام مرتبطًا بقضايا العدالة والحرية والاستعمار ومصير الإنسان.
ومن هذا الباب جاء مشروعه في الحوار بين الحضارات، الذي كان محاولة لإعادة بناء العلاقة بين الحضارات على أساس الاعتراف المتبادل. فالحضارات لم تنشأ في عزلة، ولم تتقدم لأن واحدة منها امتلكت الحقيقة كاملة، وإنما لأنها دخلت في علاقات طويلة من التأثير والتأثر، أخذت من غيرها وأعطتها، ترجمت علومها، واستوعبت أفكارها، ثم أعادت تشكيلها بما يناسب حاجاتها التاريخية. ولهذا كان الحوار عند جارودي اعترافًا بأن الآخر قادر على أن يضيف إلى المستقبل، لا مجرد قبول بوجوده.
لكن الحوار لا يستطيع أن يتجاهل التاريخ؛ فالشعوب لا تدخل إليه بذاكرة خالية من الاستعمار والحروب والاحتلال والتمييز. ولذلك ارتبط مشروعه الحضاري بموقفه من فلسطين، التي رأى فيها قضية تتصل بالاستعمار والهيمنة والحق في تقرير المصير، وانتقد السياسات الإسرائيلية والدعم الغربي لها، وخصوصًا بعد مجازر صبرا وشاتيلا سنة 1982، ثم واصل دفاعه عن الفلسطينيين ونقده للصهيونية حتى أصبح أحد أكثر المثقفين الأوروبيين إثارة للجدل في هذه القضية.
هذه المرحلة تكشف أيضًا الحد الذي ينبغي أن يتوقف عنده الدفاع عن أي قضية، لأن القضية العادلة لا تمنح صاحبها حصانة من الخطأ. ففي سنة 1998 أُدين جارودي في فرنسا بسبب تصريحات اعتُبرت إنكارًا للمحرقة، وهذه الواقعة تفرض على أي قراءة جادة له أن تميز بين نقد إسرائيل والصهيونية، وهو نقد سياسي يمكن مناقشته بالأدلة، وبين إنكار جرائم النازية أو التقليل من شأنها، وهو أمر لا يمكن تبريره بمقاومة الهيمنة السياسية أو رفض الرواية السائدة. فالذاكرة التاريخية تحتاج إلى النقد حين تُوظف سياسيًا، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى احترام الوقائع التي ثبتت بالشهادة والوثيقة والتاريخ.
وهنا تصبح تجربة جارودي أكثر تعقيدًا، لأن الرجل الذي جعل من مساءلة الأفكار مشروع حياته يذكرنا، من خلال بعض أخطائه أيضًا، بأن الشك ليس حقيقة في ذاته، وأن مخالفة الإجماع لا تعني تلقائيًا امتلاك الحقيقة، وأن الانتقال من رواية مهيمنة إلى رواية مضادة لا يكفي إذا ظلت الرواية الجديدة أسيرة اليقين نفسه. إن التحرر من فكرة مغلقة يحتاج إلى قدرة على مراجعة الذات بعد الخروج منها، وإلا تحول التحول نفسه إلى عقيدة جديدة.
وهذه المفارقة هي التي تمنح تجربة جارودي قيمتها الفكرية الحقيقية؛ فهو لم يكن مفكرًا معصومًا ينبغي تقديسه، كما أن أخطاءه لا تكفي لإلغاء عقود من الأسئلة والعمل الفكري والسياسي. لقد كان قويًا حين رفض أن يجعل الولاء الحزبي أعلى من الضمير، وحين انتقد مركزية النموذج الغربي، وحين حاول بناء علاقة جديدة بين الحضارات، وحين ربط الإيمان بالعدالة، لكنه كان مطالبًا في المقابل بأن يخضع هو نفسه للمقياس الذي طالب الآخرين بالخضوع له: مقياس المعرفة الدقيقة، والقدرة على التمييز بين الرأي والواقعة، وبين النقد المشروع والإنكار.
ومن هذه الزاوية يصبح التحول في حياة جارودي درسًا يتجاوز شخصه. فالعالم الذي عاش فيه لم يعد موجودًا بالصورة نفسها، لكن القوى التي كان ينتقدها أخذت أشكالًا جديدة؛ ما زالت الأيديولوجيات تصنع يقيناتها، وما زالت القومية قادرة على تحويل الهوية إلى حصن ضد الآخر، وما زال السوق يفرض منطقه على جوانب واسعة من الحياة، كما أن التكنولوجيا منحت الإنسان قوة هائلة من دون أن تحسم له السؤال الأخلاقي عن كيفية استخدام هذه القوة. بل ربما أصبح الإنسان المعاصر أكثر تعرضًا لليقين المغلق، لأنه يستطيع أن يعيش داخل دائرة من المعلومات التي تؤكد ما يريد تصديقه، حتى يصبح الاختلاف تهديدًا لهويته لا فرصة لمراجعتها.
ولذلك لا تعني مساءلة الثابت أن نعيش بلا قيم أو أن نشك في كل شيء، فهناك قيم ينبغي أن تظل معيارًا لا مادة للمساومة، وفي مقدمتها كرامة الإنسان وحرمة الدم والعدل والحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها. لكن الفرق جوهري بين القيمة التي نحمي بها الإنسان والفكرة التي نضحي بالإنسان من أجل حمايتها؛ فالقيمة تجعل الفكر خادمًا للإنسان، بينما تجعل العقيدة المغلقة الإنسان خادمًا للفكر.
وهنا تتضح دلالة رحلة جارودي كلها، من المسيحية إلى الماركسية، ومن المقاومة والعمل السياسي إلى نقد الشيوعية والغرب، ثم إلى الإسلام والحوار بين الحضارات؛ فكان جوهر الرحلة البحث عن صيغة يستطيع فيها الإنسان أن يحافظ على حريته وهو يبحث عن المعنى. ولذلك فإن التحول الحقيقي يكون في الطريقة التي يتعامل بها مع الحقيقة؛ أن يصبح أكثر استعدادًا لمراجعة نفسه، وأكثر حرصًا على التحقق من الوقائع، وأكثر تواضعًا أمام ما يجهله، وأكثر قدرة على الاعتراف بأن القضية التي يؤمن بها لا تحتاج إلى تزوير الحقيقة كي تكون عادلة.
لهذا تبقى تجربة روجيه جارودي جديرة بالقراء، باعتبارها رحلة طويلة بين الإيمان والفكرة والسياسة والحضارة، تكشف أن التحول الحقيقي لا يكون في تغيير الانتماء، وإنما في تغيير العلاقة بالحقيقة؛ أن نراجع أفكارنا من دون أن نفقد المعنى، وأن ندافع عن القضايا العادلة من دون أن نضحي بالدقة، وأن نحاور الآخر من دون أن نغلق عقولنا أمامه. ولعل إرث جارودي الأهم أن الفكر لا يحيا باليقين وحده، وإنما بقدرته على مساءلة نفسه، وأن الإنسان لا يصبح حرًا حين يخرج من فكرة إلى أخرى، وإنما حين يظل قادرًا على السؤال وهو يسير في الطريق.