مبارك بن عوض الدوسري
كان كبار السن في مجالسهم يختصرون كثيراً من تجارب الحياة في كلمات قليلة، وربما لم يكونوا يملكون المصطلحات التي نستخدمها اليوم للحديث عن الخصوصية والحدود الشخصية وإدارة الظهور الاجتماعي، لكنهم كانوا يملكون شيئًا أثمن: خبرة طويلة بالحياة والناس؛ ومن العبارات التي كانوا يرددونها لمن يكثر الحديث عن شؤونه الخاصة: «إذا ودك تتيسر أمورك.. لا تسولف للناس أمورك»، وهي حكمة شعبية بسيطة في ألفاظها، عميقة في معناها، وتزداد قيمتها في عصر أصبحت فيه حياة الإنسان الخاصة معروضة أمام جمهور لا يعرفه في كثير من الأحيان؛ ففي الماضي، كان الإنسان قد يملك بيتاً لا يعرف تفاصيله إلا أهله وجيرانه، ويسافر فلا يعلم بسفره إلا المقربون، ويشتري شيئاً جديداً فيفرح به في محيطه الصغير، ويحقق نجاحاً في عمله فيسمع به من يعنيه الأمر؛ أما اليوم فقد تغيرت الصورة؛ فهاتف صغير قادر على تحويل لحظة خاصة إلى خبر عام، وصورة واحدة قد تخبر الآخرين عن مكانك، وما تملك، وأين تسافر، وماذا اشتريت، ومن ترافق، وكيف تعيش؛ وهنا لا تكمن المشكلة في مشاركة الفرح من حيث المبدأ، وإنما في تحول المشاركة إلى عادة، والاستعراض إلى أسلوب حياة، وكأن الإنسان أصبح مطالباً بإثبات كل ما يحققه من خلال الآخرين.
تأملوا كم من الناس أصبح يشعر بأن شراء منزل جديد لا تكتمل فرحته إلا بعد تصويره، وأن السيارة الجديدة تحتاج إلى إعلان، وأن السفر لا تكتمل متعته إلا بعرض تفاصيله، وأن الهدية لا تصبح ذات قيمة إلا إذا شاهدها الآخرون، وأن المناسبة العائلية لا يكفي أن يعيشها أصحابها، بل ينبغي أن تتحول إلى محتوى، وأن نجاح الأبناء ومواهبهم وإنجازاتهم أصبحت في بعض الأحيان مادة للتداول قبل أن تكون مصدراً للتربية والرعاية؛ وهنا تعود إلينا حكمة الأجداد أكثر وضوحاً: ليس كل ما يسعدك يحتاج إلى أن يعرف به الناس فإذا اشتريت أرضاً، فما الذي سيضيفه إعلان ذلك إلى حياتك؟ وإذا اشتريت بيتاً، هل تحتاج فعلاً إلى أن يعرف الجميع موقعه وتفاصيله وقيمته؟ وإذا عزمت على السفر مع زوجتك أو أسرتك، هل يصبح السفر أكثر جمالاً إذا عرف به من يعرفك ومن لا يعرفك؟ وإذا قدمت لزوجتك هدية، أليس أجمل أحياناً أن تبقى تلك اللحظة بينكما، لا تحتاج إلى كاميرا ولا إلى جمهور؟ وإذا اكتشفت في أحد أبنائك موهبة مميزة، فهل الأفضل أن تحيطها بالرعاية الهادئة أم أن تجعلها منذ بدايتها حديثاً للآخرين؟ وإذا حصلت على ترقية أو نجاح مهني، فهل يصبح الإنجاز أعظم كلما اتسعت دائرة من يعلمون به؟ الجواب في كثير من الأحيان: لا.. بل إن بعض الأمور كلما قل الحديث عنها زادت راحة صاحبها، وحُفظت خصوصيته، وأصبح قادراً على الاستمتاع بها بعيداً عن أعين الآخرين، وأسئلتهم ومقارناتهم وتعليقاتهم؛ ولا يعني هذا أن الناس جميعاً يتمنون زوال النعمة، ولا أن علينا أن نعيش أسرى الشك والخوف من الآخرين؛ فالمجتمع الذي نعيش فيه قائم على المحبة والتواصل والتكافل، وهناك أهل وأصدقاء وأقارب يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويستحقون أن نشاركهم كثيراً من مناسباتنا وأخبارنا؛ لكن الحكمة هنا ليست في منع المشاركة، وإنما في حسن اختيار من نشارك، وماذا نشارك، ومتى نشارك؛ فالوالدان، مثلاً، ليسا كأي شخص آخر؛ والأخوة والأخوات والأقارب المقربون لهم مكانتهم؛ ومن الطبيعي أن تصل إليهم أخبار الزواج، وشراء المنزل، والرزق بمولود، والترقية، والنجاح، والمناسبات التي تخص الأسرة؛ لكن هذا لا يعني أن يتحول الخبر العائلي إلى إعلان مفتوح، ولا أن تصبح التفاصيل الدقيقة متاحة لكل من يسأل أو يمر أو يتابع.
لقد كان الأجداد يعرفون بالفطرة أن كثرة الكلام عن الأمور قد تفتح أبواباً لا حاجة لفتحها؛ فكل معلومة جديدة عن حياتك قد تجلب سؤالاً، وكل سؤال قد يقود إلى سؤال آخر، وكل تفصيل قد يصبح مادة للمقارنة أو التدخل أو التعليق؛ وقد يجد الإنسان نفسه بعد فترة يشرح للناس لماذا اشترى، ولماذا باع، ولماذا سافر، ولماذا اختار هذا المكان، ولماذا دفع هذه القيمة، ولماذا فعل ذلك؟
ولماذا يضع الإنسان نفسه في كل هذا؟؛ إن من علامات النضج أن يدرك المرء أن ليس من حق كل شخص أن يعرف كل شيء عنه؛ وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت هذه المسألة أكثر أهمية؛ لأن ما ينشره الإنسان اليوم لا يبقى في مجلس وينتهي بانتهائه، وإنما قد يبقى محفوظاً ومتداولاً، وقد يصل إلى أشخاص لم يكن في حسابه أن يعرفوا شيئاً عن حياته؛ ولذلك فإن الخصوصية لم تعد رفاهية، بل أصبحت نوعاً من الوعي، وحسن استخدام التقنية جزء من حسن إدارة الحياة؛ والأجمل أن يتعلم أبناؤنا وبناتنا منذ الصغر أن قيمة الإنسان ليست فيما يعرضه، وأن نجاحه لا يحتاج إلى جمهور، وأن السعادة ليست بعدد المشاهدات، وأن ما نملكه ليس بالضرورة ما ينبغي أن نعرضه، وأن بعض أجمل لحظات الحياة هي تلك التي نعيشها كاملة دون أن نفكر في تصويرها.
هناك فرق كبير بين أن تعيش اللحظة وأن توثقها، وبين أن تفرح بها وأن تعرضها، وبين أن تشكر الله على النعمة وأن تجعلها وسيلة لإثبات الذات أمام الآخرين؛ فالإنسان الذي يشتري منزلاً ويعود إلى بيته ليعيش فيه مع أسرته، قد يكون أكثر سعادة من الذي يقضي أياماً في تصويره والحديث عنه؛ والذي يسافر ويعود بذكريات جميلة مع أهله، قد يكون أكثر استمتاعاً من الذي كان منشغلاً طوال الرحلة بتصوير كل شارع ومطعم ومكان؛ والذي يهدي زوجته هدية وتبتسم لها بعيداً عن أعين الناس، ربما عاش معنى الهدية أكثر ممن جعل منها مشهداً عاماً؛ ولا ينبغي أن ننسى أن الصمت أحياناً يحمي الفرح نفسه؛ فبعض النعم تحتاج إلى وقت لتنمو، وبعض المشاريع تحتاج إلى هدوء حتى تكتمل، وبعض الخطط من الأفضل ألا تُعلن قبل أن تتحول إلى واقع، وليس كل ما تفكر فيه يحتاج إلى أن تعرف به الناس، وليس كل خطوة تخطوها تحتاج إلى تعليق وتصفيق، ولذلك فإننا بحاجة اليوم إلى إعادة اكتشاف فضيلة قديمة اسمها القناعة بالخصوصية؛ أن يكون للإنسان عالمه الذي لا يطلع عليه الجميع، وأسراره التي لا يوزعها على الآخرين، وأفراحه التي يحتفظ ببعضها لنفسه، وعلاقاته التي لا يحولها إلى مادة للنشر.
وهذا لا يعني أن يصبح الإنسان منعزلاً أو غامضاً أو متحفظاً إلى درجة الجفاء، وإنما يعني ببساطة أن يعرف حدود المساحة التي ينبغي أن تبقى له ولأسرته؛ فليس كل صمت خوفاً، وليس كل تحفظ تكبراً، وليس كل عدم نشر حسداً للآخرين، وليس كل إخفاء للنعمة نقصاً في الفرح؛ فأحياناً يكون الصمت احتراماً للنفس، وحماية للأسرة، وحفظاً للعلاقات، وشكراً للنعمة بطريقته الهادئة؛ ولعل أجمل ما يمكن أن نورثه للأجيال الجديدة من حكم كبار السن ألا نكتفي بترديدها، بل أن نفهم معناها في واقعنا الجديد: عش حياتك، وافرَح بنعمك، وحقق أهدافك، وشارك من تحب ما يستحق أن يشارك، لكن لا تجعل حياتك كتاباً مفتوحاً لكل من أراد أن يقرأ.
وقبل أن تخبر الآخرين عن أمر يخصك، توقف لحظة واسأل نفسك: ما الفائدة من أن يعرفوا؟؛ فإن كانت هناك فائدة حقيقية، فاختر من يستحق أن يعرف؛ وإن لم تكن هناك فائدة، فقد يكون الصمت هو القرار الأكثر حكمة؛ فبعض النعم يكفيها أن تُعاش، وبعض الأفراح يكفيها أن تُحفظ في القلب، وبعض النجاحات أجمل عندما يتحدث عنها أثرها لا صاحبها، وبعض أمور الحياة تتيسر فعلاً عندما نقلل الكلام عنها وتبقى حكمة أولئك الذين سبقونا، رغم بساطة عبارتها، جديرة بأن تُكتب بماء التجربة: «إذا ودك تتيسر أمورك.. لا تسولف للناس أمورك».