ناصر المحيّاني
منذ تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ومبايعته ملكاً للمملكة العربية السعودية، دخلت الدولة السعودية مرحلة تاريخية اتسمت بتسارع وتيرة التحولات في بنيتها على مختلف الأصعدة، سواء كانت اقتصادية أو مجتمعية أو في العلاقات الدولية، واللافت في قراءة هذه المرحلة لا يقتصر على حجم الإنجازات القطاعية، بل يمتد الى التحول في طريقة عمل الدولة ذاتها وأدواتها وأولوياتها، فمن الاعتماد على الدولة في تقديم الخدمات وإدارة الاقتصاد، الى دولة تعيد بناء المؤسسات، وتحويل التقنية والبيانات الى أدوات لإدارة المؤسسات وصنع القرار، وفتح المجال بشكل واسع لمشاركة القطاع الخاص، والاستثمار الحقيقي في الانسان، باعتباره أبرز الموارد التي تدفع نحو تحقيق رؤية الدولة، والاهتمام الرفيع في إعادة صياغة موقع المملكة في النظام الدولي.
وقد تزامن ذلك مع إطلاق رؤية المملكة (2030) بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، والتي مثلت الإطار الأكبر لهذا التحول، حيث ارتكزت الرؤية على ثلاث ركائز أساسية وهي: وطن طموح واقتصاد مزدهر ومجتمع حيوي، مما أسهم في توسع برامج التحول الحكومي، وجعل مؤشرات الأداء والقياس جزءاً أساسياً من إدارة القطاعات الحكومية.
لم يكن هذا التحول -بطبيعة الحال- إدارياً فقط، بل صاحبه انتقال إلى الإدارة المبنية على البيانات ومؤشرات الأداء والحوكمة والمساءلة وإدارة مختلف المشاريع الاستراتيجية، لينعكس ذلك على تحسن مجالات الخدمات والمرافق والنقل والإدارة الضريبية وتقليل العوائق الإدارية، كما تجدر الإشارة الى أن الإنجاز الملحوظ لا يقتصر على مفهوم الحكومة الالكترونية فحسب، بل في انتقال الدولة من إدارة الإجراءات إلى إدارة النتائج.
إن النمو الاقتصادي للمملكة لم يعد يتحرك بالضرورة في الاتجاه ذاته مع إنتاج النفط، بل في بناء اقتصاد آخر بجانبه، ولاسيما أن رؤية (2030) تهدف الى تقليل الاعتماد النسبي على هذا المورد، إذ أصبح الاقتصاد غير النفطي مدفوعاً بالاستثمار العام والخاص والمشروعات المرتبطة برؤية المملكة، وفق توسع كبير في قطاعات الصناعة والتعدين والخدمات اللوجستية والمالية والرياضة والسياحة وغيرها من القطاعات الاقتصادية المختلفة، ليصبح النفط جزءاً من منظومة اقتصادية أوسع، وليس المنظومة بأكملها.
كما حظي الإنسان في إطار رؤية المملكة بدور بارز في تشكيل علاقة المواطن بسوق العمل وتمكين المرأة، ففي الوقت الذي سجل فيه سوق العمل انخفاضاً ملحوظاً في مؤشرات البطالة، برزت مشاركة المرأة وتوليها المناصب الإدارية والقيادية بوصفها أحد أبرز مظاهر التحول، ما يحمل دلالة واضحة أن تمكين المرأة لم يعد مجرد ملف اجتماعي، بل أصبح أحد محركات النمو الاقتصادي.
علاوة على ذلك انتقلت المملكة من مفهوم الدولة التي تقدم الخدمات، الى الدولة التي تبني البيئة التي يستطيع الإنسان أن يتحرك داخلها، لينتقل مفهوم التنمية - في هذا المجال - من التركيز على البنية الأساسية فقط، الى جودة تجربة الانسان داخل المدينة والمجتمع، عبر برامج عدة منها: تطوير المدن وجودة الحياة والرياض الخضراء والفعاليات والترفيه والرياضة والثقافة والمساحات العامة والعمل التطوعي.
أما عن الخدمات الصحية فقد شهدت تحولاً هيكلياً ضمن برنامج تحول القطاع الصحي، ليتطور المسار في هذا الإطار من مفهوم علاج المرض الى بناء منظومة صحية جديدة، من مستشفيات تقدم العلاج الى منظومة متكاملة تشمل الوقاية والرعاية الأولية والبيانات والصحة الرقمية والتأمين والتخصصات الدقيقة والاستثمار الصحي وغيرها، وفق تغطية شاملة في المناطق المأهولة بالسكان والمناطق الطرفية، وصولاً الى ارتفاع معدل الرضا العام عن تلك الخدمات.
لقد حرصت رؤية الدولة على تطوير التعليم والمعرفة، إذ لا يمكن أن يستمر التحول الاقتصادي دون تحول في رأس المال البشري، فقد توسعت المملكة في برامج الابتعاث والجامعات والبحث العلمي والتدريب وتطوير المهارات والتقنية والذكاء الاصطناعي، ليكون ذلك جزءاً من البنية الأساسية للتنمية، مما جعل الدولة تسير بخطوات ثابتة نحو أبرز أهداف الرؤية في جعلها منتجاً للتقنية ومركزاً عالمياً لتطبيقاتها.
كما شكلت مواسم الحج والعمرة نموذجاً بارزاً لهذه التحولات، حيث لم تقتصر المملكة على التوسع في المنشآت، بل عملت على تعزيز الأمن والصحة والنقل وإدارة الحشود والخدمات الرقمية وغيرها من الخدمات الفاعلة، بما أسهم في بناء واحدة من أكثر المنظومات المتطورة عالمياً في إدارة التجمعات البشرية الكبرى.
وعن إطار السياحة الدولية فلم يكن جزءاً من صور المملكة الاقتصادية، حتى جاءت الرؤية الناجعة لتجعل من الدولة منصة للحركة والتجارة والسياحة بين ثلاث قارات، حيث ساهم القطاع في ارتفاع الناتج المحلي نظير الانفاق السياحي من قبل السياح المحليين والدوليين، إذ أثمر القطاع الثقافي في توسع المؤسسات الثقافية والمتاحف، وأعيد إحياء المواقع التاريخية، حتى أصبحت الثقافة السياحية جزءاً لا يتجزأ من الاقتصاد، وفي القطاع الرياضي أصبحت المملكة تستضيف بطولات وأحداث عالمية، لتتحول السياحة والرياضة والثقافة من ملفات ذات طابع ترفيهي، الى قوة اقتصادية وهوية وطنية وقوة ناعمة وحضور دولي.
وفضلاً عن ذلك لم تكتف المملكة خلال هذه المرحلة من التطوير في البناء الداخلي للدولة، بل سعت الى إدارة علاقاتها الخارجية عبر التوسع في صناعة المبادرات والشراكات الدولية، وإدارة التوازنات من خلال القنوات الدبلوماسية، بما عزز حضورها الدولي عبر الوساطة وإدارة العلاقات المتعارضة، وأكسبها تأثيراً يتجاوز نطاقها الجغرافي الى النظام الدولي الأوسع.
إن ما شهدته المملكة من تحولات وإنجازات في هذا العهد، لا تقتصر على عدد المبادرات والمشاريع والبرامج أو القرارات التي صدرت، بل ينبغي البحث في التحول الأعمق في بنية الدولة السعودية، باعتبار أن هذا العهد الميمون لم يكن مجرد مرحلة إضافية في المسار التاريخي للمملكة، وإنما يتمثل في مرحلة انتقالية ذات طبيعة استراتيجية، أعيد خلالها تعريف مفهوم القوة الوطنية في كثير من أدوات الدولة ووظائفها وأولوياتها.
ختاماً: نجدد البيعة والولاء والطاعة لمقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، بمناسبة الذكرى الثانية عشرة على توليه مقاليد الحكم ملكاً للمملكة العربية السعودية.