بريدة - «الجزيرة»:
المساجد بيوت الله، وهي أحب البقاع إليه سبحانه، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وهي محل إجلال المسلمين في جميع أنحاء العالم، يتنافسون في بنائها وعمارتها والقيام عليها ولله الحمد، قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ).
الدكتور فهد بن عبدالرحمن اليحيى أستاذ الفقه بجامعة القصيم يكشف في تقريره الذي قدمه لـ»الجزيرة» حال المساجد في داخل المملكة وخارجها، حيث يقول: في بعض البلدان قلة المصلين نسأل الله أن يشرح صدورنا وسائر المسلمين جميعًا لعمارة بيوته، ودار بخلدي أن من أسباب ذلك -ولا سيما لدى فئة الشباب- ما يجدونه من طول البرنامج المصاحب للصلوات في تلك البلدان المشار إليها، ففي كثير من تلك المساجد لا يقتصر الأمر على الأذان ثم الإقامة ثم أداء الفريضة، بل يمتد إلى أعمال متتابعة تشبه البرنامج أو البروتوكول؛ فبعد الأذان نافلة ركعتين أو أربعاً بتسليمتين ثم بعد الفراغ من الفريضة يقول المؤذن بصوت مرتفع: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم يقوم الإمام والمصلون مباشرة لأداء السنة الراتبة، وقد يصلون أربع ركعات في بعض الأوقات، ثم يجلسون جميعًا لانتظار الإمام، فيأتون بالأذكار جماعة معه على طريقتهم، ثم دعاء، ثم ختام ذلك بقراءة الفاتحة سرًا، وبعد ذلك -في الغالب- يقرأ الإمام شيئًا من القرآن الكريم بترتيل ينصت له الحضور وهو لم يزل في محرابه.
برنامج مطول..!
ويسترسل الدكتور فهد اليحيى في حديثه: هنا لا نناقش هذه الأعمال من حيث الدليل؛ لأن له موضعاً آخر مع تقديرنا لاختلاف المذاهب؛ ولكن محل النظر من حيثية أخرى حيث اجتماع تلك الأعمال المشار إليها بهذا الترتيب المستمر قد يجعل الداخل إلى المسجد يشعر وكأنه أمام برنامج متكامل ينبغي أن يلتزم به؛ ومن ثم يجد بعض الشباب أو من بدأ حديثًا بالمحافظة على الصلاة شيئًا من التردد أو التثاقل، خشية أن يشُذّ عن جماعة المسجد إذا انصرف بعد الفريضة فوراً، أو لم يشارك في جميع ما يفعلونه.
صحيح أن أحدًا لا يلزمه بالبقاء؛ لكنه في الواقع يرى غالب المصلين -وهم أصلًا قلة بالنسبة إلى من هم خارج المسجد- يلتزمون بهذا البرنامج، فيشعر أن الانصراف قبله أمر غير مألوف، فيتكرر لديه هذا الشعور في كل صلاة فيستثقل وربما انقطع، وهكذا تتكوّن الصورة لدى المجتمع أو هي مستقرة في تلك المجتمعات أن الصلاة ليست صلاةً فقط بل برنامج مطوّل،
وفي المقابل، تمتاز كثير من مساجدنا -ولله الحمد- بالبساطة والتيسير؛ فالأصل فيها أن يصلي المسلم الفريضة معتقداً أن ما بعدها من النوافل والأذكار فضيلة ترجع إلى اختياره؛ فمن شاء اكتفى بالفريضة، ومن شاء صلى النافلة في المسجد، ومن شاء صلاها في بيته، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ»؛ ولذلك لا يُنظر إلى من انصرف بعد الفريضة على أنه قصَّر أو ترك واجبًا، أو شذ عن البقية؛ بل قد يكون انصرف ليصلي النافلة في بيته، فقد انصرف إلى الأفضل.
وهذا التيسير يجعل الداخل إلى المسجد، سواء كان شابًا، أو مبتدئًا في المحافظة على الصلاة، أو تائبًا بعد انقطاع، يشعر أن المطلوب منه واضح ويسير: أن يؤدي الفريضة، ثم إن شاء زاد من النوافل والأذكار، وإن شاء انصرف ولا حرج عليه، وهذا أدعى إلى تشجيع الناس على ارتياد المساجد والمحافظة على الصلاة فيها، دون أن يشعروا بثقل أو التزام بما ليس بواجب، ولا ريب أن الأذكار بعد الصلاة، والنوافل، وقراءة القرآن، كلها عبادات عظيمة يؤجر عليها المسلم، لكن من المهم أن تبقى في نفوس الناس ضمن دائرة التطوع والاختيار، لا أن يشعر الداخل إلى المسجد بأنها جزء لازم من الصلاة لا تكتمل إلا به، وقد دل على هذا المعنى عمومات الأدلة المتظافرة، ومنها ما ثبت في الصحيح أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الفرائض، فلما أخبره بها قال: «هل عليّ غيرها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، إلا أن تطّوّع».
ومن هنا فإن من الحكمة في دعوة الناس إلى الصلاة، ولا سيما الشباب ومن اعتادوا تركها ثم عادوا إليها، أن تُيسر لهم السبل، وأن يبقى الواجب متميزًا عن التطوع، حتى يقبلوا على بيوت الله برغبة وطمأنينة، ثم يزدادوا بعد ذلك من النوافل والطاعات شيئًا فشيئًا.
بروتكولات الجمعة
وعن شأن الجمعة في تلك المساجد المشار إليها، يقول الدكتور فهد اليحيى أستاذ الفقه: لا يختلف كثيراً بل أشد فلها بروتوكولات وبرامج قد تبدو ثقيلةً عند بعض المسلمين، وإن لم يصرحوا بذلك، ومن هنا نقول: ليت القائمين على تلك المساجد أن يتأملوا أثر هذه البرامج في ارتباط الشباب وغيرهم بالمساجد؛ إذ قد لا تمنعهم من حضورها، لكنها قد تثقل عليهم المبادرة إلى صلاة الجماعة والحرص على صلاة الجمعة، مفيداً أن من المظاهر في الجمعة في مساجد تلك البلدان: ما يسبق الخطبة من الدرس الطويل، فإذا دخل المصلي جلس لاستماعه، حتى إنهم يجلسون دون تحية مسجد، وغالباً ما يلقي هذا الدرس شخص غير الخطيب، وقد يمتد ساعةً أو ساعةً ونصف الساعة، وربما بلغ ساعتين، ويترتب على ذلك أن المصلين لا يجدون فرصة لقراءة القرآن كسورة الكهف قبل الخطبة، ولا يتمكنون من التزوّد بالنوافل قبلها، فيفوتهم فضل ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ الإمام مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَفَضْلَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ».
ويضاف إلى ذلك أن كثيراً من تلك المساجد يخلو من المصاحف، مع أن المصاحف -ولله الحمد- قد انتشرت في أنحاء كثيرة من العالم، ولا سيما مصحف مجمع الملك فهد، كما أن كثيراً من البلدان الإسلامية تطبع المصاحف، ولو بخطوط تناسب أهلها، كما هو الحال في الهند وباكستان وغيرها؛ فمن المهم العناية بتوفير المصاحف في تلك المساجد، لتيسير تلاوة القرآن الكريم لمن يريد، ومن الملاحظ أيضا أن هذا الدرس قبل الخطبة يستمر حتى بعد بدء الأذان الأول، فلا يتوقف المتحدث عند الأذان، بل يواصل كلامه، فلا تتاح للمصلين فرصة متابعة المؤذن والإجابة معه، وهذا مما رأيته في كثير من تلك المساجد.
ثم إنهم بعد الأذان الأول يصلون النافلة أربع ركعات بتسليمتين، فإذا دخل الإمام صعد المنبر بطريقة بروتوكولية لديهم، درجة بعد درجة، وأثناء صعوده يلقي المؤذن أو غيره كلمات أو أذكاراً حتى يستقر الإمام على المنبر، وبعد فراغ المؤذن من الأذان يبدأ الخطيب خطبته مباشرة، من غير أن يترك زمناً يتمكن فيه الناس من الذكر المشروع بعد الأذان، وبعد صلاة الجمعة -كما فعلوا في سائر الصلوات- يقوم الإمام بعد (اللهم أنت السلام ...) مباشرة، ويقوم جميع المصلين لصلاة النافلة البعدية من أربع ركعات، ثم يأتون بالأذكار بالطريقة نفسها التي تجري بعد الصلوات الخمس.
ولا ريب أن مثل هذه البرامج قد تورث عند بعض الناس شعورا بثقل الالتزام بالجمعة، بخلاف ما إذا كانت الصلاة على الهيئة المعروفة في السنة؛ فيدخل المسلم، فيصلي تحية المسجد، ثم يستمع إلى الخطبة، ويؤدي صلاة الجمعة، ثم ينصرف، فإن شاء صلى النافلة في المسجد، وإن شاء أخرها إلى بيته، والأمر في ذلك واسع ولله الحمد، وكذلك الأذكار بعد الصلاة؛ فمن جلس يذكر الله فهو على خير، وإن انصرف فلا حرج عليه، لأنها عبادات لا ينبغي أن تتحول إلى برامج جماعية يظن الناس لزومها.
فهذا بعض ما لاحظته وليس المقصود منه الانتقاص من أحد، وإنما التأكيد على أهمية مراعاة هدي السنة مع مراعاة مقاصد الشريعة، وفي مقدمتها التيسير على الناس وعدم تحميلهم من البرامج والالتزامات ما قد يكون سببا في استثقالهم ارتياد المساجد أو الجمعة، ولا سيما إذا كان بعض هذه (الطقوس) مبنياً على أقوال اجتهادية يمكن مراجعتها وفق الأدلة؛ بل ووفق الصحيح في تلك المذاهب.
نظافة ملحوظة
ونبه الدكتور فهد اليحيى إلى الجوانب التي تستحق الإشادة في مساجد تلك البلدان العناية البالغة بالنظافة، وقد ظهر ذلك جليًا في مساجدهم؛ إذ تتميز بنظافة ملحوظة وحسن ترتيب، وغالب أماكن الوضوء لديهم تحظى بعناية فائقة، ومن مظاهر ذلك تخصيص أحذية لاستخدامها في مواضع الوضوء، والالتزام بعدم إدخال الأحذية إلى المسجد، مع توفير أماكن منظمة لوضعها، فلا تكاد ترى تكدسًا للأحذية عند المداخل كما يحدث في بعض مساجدنا، ومن الجميل أيضًا عندهم وجود مساحة فاصلة أو منطقة عازلة بين المكان الذي يسمح فيه بلبس الحذاء وبين داخل المسجد، وهو تنظيم يحقق قدرًا كبيرًا من المحافظة على نظافة بيوت الله، وليت هذا التنظيم يحظى بمزيد من العناية في مساجدنا؛ إذ يُلاحظ أحيانًا تكدس الأحذية عند الأبواب، وربما دخل بعضها إلى فناء المسجد الداخلي، مما يؤثر في نظافته، وكذلك فإن أماكن الوضوء لديهم تتميز بالنظافة وحسن الصيانة، وصحيح أن كثيرًا من أماكن الوضوء في مساجدنا أصبحت -ولله الحمد- أكثر عناية مما كانت عليه في السابق، ولا سيما في السنوات الأخيرة، إلا أن الحاجة لا تزال قائمة إلى مزيد من الاهتمام بالصيانة الدورية والنظافة المستمرة، ومن المهم أيضًا أن تُفصل أماكن الوضوء عن دورات المياه؛ إذ ليس كل من قصد الوضوء يحتاج إلى دخول دورة المياه، فالفصل بينهما أدعى إلى النظافة، وأحفظ لراحة المصلين، مع الحرص على أن تكون أماكن الوضوء في غاية النظافة، وخالية من الأتربة وسائر ما قد يتساهل فيه البعض، ولا بأس أن أشير إلى الجماليات في تلك المساجد إذ لهم عنايةٌ بالشكل الخارجي والداخلي، ولست أعني الزخرفة؛ ولكنه إتقان البناء وحسن التصميم، ومع أن لدينا مساجد كثيرة جداً بلغت من الجمال وروعة البناء وتوفير الخدمات ما يفوق كثيراً من مساجد العالم ولله الحمد ولكني أتحدث عن إهمالنا أحيانا في بعض المساجد لإتقان التصميم والبناء وبعض العناية أو بعض اللمسات مع أن التكلفة واحدة أو متقاربة، ولعل أهل الاختصاص بالبناء يفهمون مقصودي، ومما يُشار إليه أيضاً تلك المقدمة أو المدخل في كثيرٍ من مساجد تلك البلدان أو لنقل التقسيم الجيد للمسجد حيث ينقسم المسجد إلى فناء محاط بسور مفتوح (غالباً من الحديد، وفعلاً لا حاجة للأسوار الاسمنتية لفناء المسجد إذ يكفي سياج جميل فهو أجمل وربما أقل تكلفة) ثم بعد ذلك المسجد ذاته وهو ينقسم إلى مقدمة منفصلة كمدخل جميل يعزل المجد الأصلي للحفاظ عليه ومن أجل أن يبقى المدخل مفتوحاً حتى مع إغلاق المسجد في غير أوقات الصلوات فيصلي فيه العابر والمتأخر ثم يأتي القسم الثالث المقصود وهو المسجد الأصلي مستقلاً تظهر فيه العناية الأكبر.
وفي تقديري أن فكرة المدخل فكرة جميلة ينبغي أخذها بالاعتبار عند إنشاء المساجد في بلداننا إذ بها تتحقق مقاصد كثيرة أشرت إلى بعضها، سائلاً الله أن يوفق الجميع لما فيه تعظيم بيوته وعمارتها حساً ومعنى.