ناصر بن فريوان الشراري
في مشهد يطفو على سطح الأحداث السياسية الدولية، يتجلّى فصل جديد من فصول المناكفات الدبلوماسية والابتزاز السياسي، إذ لم تجد قيادات في حكومة الكيان الإسرائيلي حرجاً في توجيه التهديدات إلى لندن، والمطالبة بفرض عقوبات عليها، بل والدعوة صراحةً إلى الاعتراف بسيادة الأرجنتين على جزر «فوكلاند»، المعروفة أرجنتينياً باسم «مالفيناس»، رداً على الإجراءات البريطانية الأخيرة ضد الاستيطان الإسرائيلي، وما رافقها من قيود على تجارة المستوطنات وصادرات السلاح المرتبطة بالاحتلال.
هذه «المناكفة الإسرائيلية» لا تعكس مجرد تلاطم سياسي عابر بين حليفين، بل تفتح الباب على مصراعيه لكشف طبيعة علاقة قامت، منذ بدايتها على المنفعة المجرّدة والمصالح المتبادلة، بعيداً عن كل الشعارات التي طالما رُفعت لتجميلها، كما تستدعي التوقف عند مفارقة تاريخية صارخة، فبريطانيا التي وهبت ما لا تملك لمن لا يستحق عبر «وعد بلفور المشؤوم» عام 1917، وأسهمت في زرع هذا الكيان الغاصب في قلب الوطن العربي، تتذوق اليوم من الكأس نفسها على يد «وليدها»، الذي لم يتردد في الطعن بشرعية سيادتها الإقليمية لمجرد أن لندن بدأت تستشعر شيئاً من الحرج الأخلاقي والسياسي أمام الرأي العام، بفعل جرائم الاحتلال وانتهاكاته المتواصلة.
إن تل أبيب، التي طالما اقتطعت الأرض الفلسطينية بذريعة «الحق التاريخي»، وضربت بالقرارات الدولية عرض الحائط، تجد اليوم في ملف جزر «فوكلاند» النائية ورقة ابتزاز تشهرها في وجه بريطانيا، فتتهم لندن بـ«ازدواجية المعايير» و«الاحتلال العسكري» لجزر تبعد عنها آلاف الكيلومترات، ويا لها من مفارقة فاضحة: كيان قام على الاحتلال والاقتلاع والتهجير، وما زال يبتلع الأرض الفلسطينية شبراً بعد شبر، يحاول أن يرتدي عباءة المدافع عن السيادة وحقوق الشعوب!
إنها ليست صحوة ضمير إسرائيلية، ولا انحيازاً مفاجئاً إلى الحق الأرجنتيني، وإنما محاولة مكشوفة لاستغلال التقارب القائم مع الحكومة الأرجنتينية الحالية، وإرسال رسالة تهديد إلى صانع القرار البريطاني مفادها أن أي تراجع عن الدعم غير المشروط للكيان ستكون له كلفة باهظة، حتى في أكثر الملفات البريطانية حساسية، وهكذا تُختزل علاقة «الحليف الاستراتيجي» في معادلة ابتزاز فجّة: إما أن تواصل لندن توفير الغطاء للاحتلال وجرائمه، وإما أن تُفتح في وجهها ملفات السيادة والنفوذ والتاريخ.
لكن هذه المناكفات تحمل في طياتها خدمة غير مقصودة للحق الفلسطيني والعربي، فهي تسقط الهالة النمطية التي أُحيط بها الكيان الإسرائيلي في الوجدان الغربي بوصفه «حليفاً موثوقاً»، وتكشف أن ولاءه لا يتجاوز حدود مصلحته، وأنه مستعد للانقلاب على أقرب داعميه عند أول موقف لا ينسجم مع رغباته، كما توجّه صفعة موجعة إلى الذاكرة السياسية البريطانية، لعل لندن تدرك أخيراً أن التحالف العضوي مع مشروع استيطاني إحلالي، لا يقيم وزناً للقانون الدولي، لن يورثها إلا مزيداً من العزلة الدبلوماسية والإهانة السياسية، حتى على أيدي أكثر من أحسنت إليهم ودافعت عنهم.
إن ما يجري اليوم ينبغي أن يكون محفزاً للرأي العام العربي والدولي لمواصلة الضغط من أجل تغيير النظرة الغربية النمطية إلى هذا الكيان، وفضح حقيقته بوصفه مشروعاً قائماً على الاحتلال والابتزاز والإفلات من العقاب، فمن يهدد حلفاءه الأوائل اليوم بانتزاع الاعتراف بسيادتهم على أراضٍ خاضعة لسيطرتهم، لن يتوانى غداً عن العبث باستقرار العالم كله متى تعارض ذلك الاستقرار مع مصالحه وأطماعه.
لقد حان الوقت لتستدرك لندن خطيئة «بلفور»، وتدرك أن إنصاف الشعب الفلسطيني ليس مجرد خيار أخلاقي يمكن تأجيله أو إخضاعه لحسابات المصالح، بل هو استحقاق تاريخي وقانوني، والطريق الوحيد لإعادة شيء من التوازن إلى السياسة الدولية واستعادة هيبة القانون الدولي التي دُنّست على مدى عقود، فالتاريخ لا ينسى، والخطايا السياسية الكبرى لا تسقط بالتقادم، وقد بدأ سهم «بلفور» يرتدّ اليوم إلى صدر صاحبه، بعدما قرر «الابن المدلل» أن يقايض صانعه على «فوكلاند»!