خالد الأنصاري
لمكة المكرمة في قلوب المسلمين منزلةٌ لا تدانيها منزلة؛ فهي أمُّ القرى، ومهبط الوحي، وقبلة المسلمين، وفيها بيت الله الحرام الذي جعله الله مثابةً للناس وأمنًا، فقال سبحانه: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) [آل عمران: 97].
وقصَّ الله تعالى خبر أصحاب الفيل الذين قصدوا الكعبة المشرفة بالهدم، فأبطل مكرهم، وردَّ عدوانهم، وجعل كيدهم في تضليل، فقال سبحانه: (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) [الفيل: 3-5]. ولقد واصلت ميليشيا الحوثي الإرهابية اعتداءاتها ومن خلفها إيران؛ باستهداف قبلة المسلمين؛ مكة المكرمة، يوم الثلاثاء 4 ربيع الأول 1448هـ الموافق 15 سبتمبر 2026م، وقبلها كان نفس الاعتداء في ليلة الجمعة 27 محرم 1438هـ.
وقد قوبلت هذه الاعتداءات بإدانة عربية وإسلامية واسعة، لما تمثله من انتهاكٍ لحرمة البلد الحرام، وتهديدٍ لأمن قاصديه وسكانه.
وإن استهداف منطقة مكة المكرمة ليس عدوانًا على المملكة العربية السعودية وحدها، بل هو اعتداءٌ على مشاعر المسلمين كافة؛ فحرمة مكة ثابتةٌ بنصوص الوحي، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة».
ولقد كشف هذا العمل العدواني عن استخفافٍ بحرمة المكان، وعن تجاوزٍ لكل الأعراف الدينية والإنسانية؛ متجهًا نحو أطهر بقاع الأرض وأحبها إلى الله تعالى:
أيا حوثيُّ بُؤتَ بكلِّ خزيٍ
أصاروخٌ إلى البيت الحرامِ؟
ألا فارتقبْ عاقبةَ اعتداءٍ
فربُّ البيت شديدُ الانتقامِ
ولم يكن الاعتداء على البلد الحرام بدعًا في تاريخ المعتدين؛ فقد سبق القرامطة إلى جريمةٍ نكراء حين اقتحموا مكة سنة 317هـ، وسفكوا دماء الحجيج في رحاب المسجد الحرام، واقتلعوا الحجر الأسود وحملوه بعيدًا عن موضعه.
وبقي فعلهم وصمة عارٍ في جبين التاريخ، ودليلًا على أن الشعارات الدينية لا تستر جرمًا، ولا تمنح العدوان مشروعية:
على الكعبةِ البيتِ الحرامِ أغاروا
وللبيتِ مجدٌ خالدٌ ووقارُ
وكان لهم في القرمطيِّ قدوةٌ
فنهجُ اعتداءِ السابقين شعارُ
والله عز وجل قد توعَّد من أراد الحرم بإلحادٍ وظلم، فقال سبحانه: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [الحج: 25].
والمملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا، إذ تتشرف بخدمة الحرمين الشريفين وحمايتهما، تقف بكل حزمٍ في وجه من يهدد أمنهما؛ أو يروّع قاصديهما؛ مستعينةً بالله تعالى، آخذةً بأسباب القوة والدفاع، مؤديةً الأمانة العظيمة التي اضطلعت بها منذ توحيدها.
اللهم احفظ بيتك الحرام، ومكة المكرمة، وسائر بلاد المسلمين، واجعلها آمنةً مطمئنة. اللهم من أراد بلادنا ومقدساتنا وأمننا بسوء، فردَّ كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه، واحفظ مملكتنا وولاة أمرنا ورجال أمننا وجنودنا من كل سوء، وأدم علينا نعمة الأمن والإيمان، يا رب العالمين.
إضاءة
تبقى مكة فوق مطامع المعتدين؛ حرمتُها وحيٌ منزل، وأمنُها أمانةٌ في أعناق المسلمين، ومن قصدها بعدوانٍ أورثه التاريخ خزيًا، وكان مآل كيده الخسران.