ناهد الأغا
في الثالث والعشرين من شهر سبتمبر، وفي مثل هذا اليوم، تحلّ ذكرى اليوم الوطني السعودي: عيد الوجدان، وموسم الفخر، وميقات الذاكرة، ويتجلّى فيه شعار «عزنا بطبعنا كالجواهر على صدر الوطن»، وهو شعار يعكس أمة تفتخر بأخلاقها قبل إنجازاتها، وتظل وفية لطباعها، ومن ثمّ يتحول هذا اليوم إلى مساحة رمزية لإعادة إنتاج الهوية الوطنية وتأكيد قيمها، وعلى المستوى الاحتفالي، تتحول المملكة إلى لوحة سماوية؛ إذ تتزين السماء بالألعاب النارية، وتقام العروض العسكرية التي تعكس هيبة الدولة، وتتوزع مظاهر الاحتفال بين مهرجانات ثقافية وفنية، ومعارض فنية تنطق بالألوان، وأطفال يرفعون الرايات كأنها أجنحة تحملهم إلى سماء الحب، وشباب يهتفون فيملؤون الأفق نشيدا، وكبار يبتسمون فتلمع في أعينهم دموع الفرح، ويتجسد هذا الانتماء في تفاصيل دقيقة: في الدمعة التي تلمع عند سماع النشيد الوطني، وفي الرعشة التي تسري في القلب حين ترفرف الراية الخضراء، وفي الفخر الذي يملأ الصدر حين تتصدر إنجازات الوطن المشهد العالمي، وهذه التفاصيل، على صغرها، تكشف عن ارتباط وجداني عميق بين الفرد والمكان والرمز، كما ويمتد أثر اليوم الوطني ليشمل المواطنين والمقيمين، إذ تشكّل فئة المقيمين في المملكة العربية السعودية نسيجاً اجتماعياً يتجاوز حدود الإقامة الجغرافية إلى المشاركة الوجدانية في المناسبات الوطنية، ويطرح هذا اليوم نموذجاً دالًا على هذه المشاركة، حيث يتحول الاحتفال من مناسبة سيادية خاصة بالمواطنين إلى فضاء ثقافي جامع يحتضن المقيمين بوصفهم شركاء في الفرح، ومشاركين في الاعتزاز، وحاملين لانتماء اختياري ينبع من الامتنان والوفاء، وتقدم المملكة، التي تحتضن أكثر من اثني عشر مليون مقيم من مختلف الجنسيات والثقافات، نموذجًا حضاريًا في التعايش والتآخي، وهو نموذج يتجلى في أبهى صوره خلال المناسبات الوطنية، وتمتد مشاركة المقيمين من المستوى الفردي إلى المستوى المؤسسي، حيث تشارك السفارات والجاليات والمنظمات الثقافية في الفعاليات الوطنية عبر تنظيم معارض ثقافية، وإقامة أمسيات فنية، ومشاركة فرق شعبية من بلدانهم وحين يرفع المقيم الراية الخضراء بيد لم تولد على هذه الأرض، لكنها تعلمت أن تنبض بحبها، فإنه يرفع عهدًا من الوفاء، وشهادة على أن هذا البلد فتح له أبوابه، ومنحه من كرامته، وأشركه في فرحه، وجعله يشعر أن الغربة تنمحي حين يكون بين أهل كرام.
أما أنا، وبصفتي مقيمةً منذ أكثر من ثلاثة عقود، فأقف اليوم على أرضٍ تنبض بي كما أنبض بها، أتنفس هواءً عانقته رايات خضراء، وسمعت فيه صدى نشيدٍ وُلِد قبل أن تُولَد كلماتي، أقف بين جيراني وأصدقائي وإخواني، أرفع الراية الخضراء، عامٌ جديدٌ من المجد والفرح يا أهلَ الأرضِ الطيبة.