مدخل
حينما نقرأ خطابًا إعلاميًا -أيًا كان نوعه ومضمونه- قد يبدو لنا أن اللغة ليست أكثر من مجرد وسيط ينقل فكرةً أو موقفًا أو خبرًا من الكاتب إلى القارئ، غير أن هذا التصور يكاد يخفي وراءه جانبًا أكثر تعقيدًا؛ فاللغة في الخطاب الإعلامي لا تنقل المعنى وحده، بل تؤدي دورًا جوهريًا في بنائه، وترتيبه، وتوجيهه، إلى جانب بناء الإطار الذي يُنظر من خلاله إلى الخطاب وإلى فكرته المركزية كما تصل إلى القارئ من خلال مساحة واسعة تتكامل فيها الكلمات والتراكيب والمعاني والعناوين والحجج والسياقات والمقاصد، للوصول إلى غاية كُبرى هي الهدف من هذا الخطاب الإعلامي.
من وحي هذه الرؤية يأتي كتاب (لغة الخطاب الإعلامي: مقاربات في البنية والسياق والدلالة) للأستاذ الدكتور بدر بن علي العبدالقادر، الذي صدر في عام 2026م، ويتناول تحليل الخطاب الإعلامي بما ينتظمه من الكلمات والعبارات والجمل والتراكيب التي شكلت البنية اللغوية لمقالات افتتاحية صحيفة الجزيرة، والموسومة بـ (رأي الجزيرة)، لكاتبها الأستاذ خالد بن حمد المالك، من خلال عينة تتكون من (100) مقال من عمود (رأي الجزيرة)، والمنشورة خلال المدة الممتدة من عام 2014م إلى عام 2026م، وتتصدى موضوعاتها لعرض بعض القضايا السياسية، والوطنية، والدينية، والاجتماعية، والاقتصادية، وما تتضمنه من مضامين وأفكار ومقترحات عكست سياقاتها الزمنية والواقعية، وكشفت عن رؤى كاتبها وتصوراته تجاه القضايا المطروحة.
فالكتاب وفق منهجيته العلمية والتحليلية لا يقارب الخطاب الإعلامي بوصفه مادة إعلامية تُقرأ لمعرفة مضمونها والإحاطة بقضاياها فقط، وإنما يعيد تحليله لسانيًا ولغويًا، محاولًا الكشف عن الطريقة التي يتحول بها الحدث إلى خطاب، والخطاب إلى معنى، والمعنى إلى موقف قابل للتلقي والتأثير، ومن هذا الجانب اللساني التطبيقي فإن أهمية الكتاب لا تكمن أهميته في أنه تناول مئة مقال من مقالات (رأي الجزيرة) فحسب، ولا في أنه وزع مادته على ثمانية فصول تستخدم عددًا من المناهج اللسانية الحديثة، وإنما في محاولة الإجابة عن سؤال: ما دور اللغة في بناء الخطاب الإعلامي؟
النص الإعلامي بين بناء اللغة ونقل المعنى
ينهض الكتاب في مقاربته اللغوية وفي عمقه التحليلي على أساس منهجي وتصور معرفي للغة، يخرج بها من كونها (وعاءً) يستودع فيها الكاتب أفكاره إلى كونها عنصرًا فاعلًا في تشكيل تلك الأفكار نفسها، فالكاتب الإعلامي مثلاً حين يختار عنوانًا دون آخر، أو يستدعي وسيلة منطقية دون غيرها، أو يقدم حجة على أخرى، أو يستخدم أداة ربط بعينها، أو يختار صيغة التقرير بدل الاستفهام، أو التأكيد بدل الاحتمال، فإنه لا يقوم بعمليات لغوية محايدة، إنما يبني للقارئ طريقًا معينًا للوصول إلى المعنى، ويهيئ له إطارًا مخصوصًا لفهمه وتأويله والتفاعل معه، ولهذا يصبح السؤال في تحليل الخطاب مختلفًا عن السؤال التقليدي في تحليل المضمون، ليس السؤال فقط: ماذا قال المقال؟ وإنما: كيف قاله؟، ولماذا صيغ على هذه النحو؟، وكيف انتظمت العناصر اللغوية لتقود المتلقي نحو معنى أو نتيجة أو موقف محدد؟، والإجابة عن تلك التساؤلات توضح الفارق المنهجي بين الرصد الموضوعاتي للخطاب الإعلامي وبين تحليل الكيفية التي تتكون بها الدلالة داخل النص من خلال أدوات السيميائية، والحجاج، والتداولية، ولسانيات النص وغيرها، ومن هنا فإن الكتاب لا ينظر إلى اللغة الإعلامية بعد اكتمال المعنى، بل يواصل النظر إلى المعنى في أثناء تشكله.
مئة مقال.. لكنها ليست مئة موضوع
اختار المؤلف مئة مقال من عمود (رأي الجزيرة) كتبها الأستاذ خالد بن حمد المالك، ممتدة بين عامي 2014م إلى عام 2026م، ومتنوعة بين القضايا السياسية والوطنية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، مما أكسبها ثراءً معرفيًّا وثقافيًّا في مناقشة الموضوعات والقضايا التي تهم الرأي الخاص والعام، وهذه المدونة تمنح الكتاب مساحة زمنية واسعة نسبيًا، ترتبط بتحولات سياسية واجتماعية وتنموية شهدها العالم خلال أكثر من عقد.
لكن الأهم من عدد المقالات هو طريقة النظر إليها، وآلية تحليلها، ومنهجية مقاربتها، فالمئة مقال لا يتناولها الكتاب بوصفها مئة موضوع مستقل، وإنما تتحول إلى (مدونة لغوية) يمكن تفكيكها وإعادة تركيبها وفق الظواهر التي يبحث عنها المؤلف، فمرة تُقرأ العناوين بوصفها علامات، ومرة تُقرأ الجمل من جهة تماسكها وترابطها، ومرة تستخرج منها الحجج، ومرة يُوقف عند الروابط التي توجه تلك الحجج، ثم يعاد النظر إليها من جانب المقصد والفعل الكلامي وتأثير القول في المتلقي، فضلاً عن تداوليتها وأثرها الإنجازي.
وبناءً على هذا المنهج اللساني الأكاديمي تتحول المادة الصحفية من أرشيف للأحداث، وتوثيق للتاريخ والتحولات الاجتماعية والإقليمية والدولية إلى مادة حية متجددة للغة التي وثقت تلك المرحلة، وما اشتملت عليه من صراعات سياسية، ومواجهات فكرية، وجدالات ثقافية، وغيرها، وهذا ملمح يستحق التوقف عنده؛ فالفرق كبير بين أرشفة ما قالته الصحافة عن مرحلة زمنية، وبين تحليل الكيفية التي بنت بها الصحافة لغويًا صورتها عن تلك المرحلة.
هندسة الكتاب: من العلامة إلى الفعل
قد يبدو، عند النظر الأول، أن فصول الكتاب الثمانية تتوزع بين حقول معرفية مختلفة: السيميائية، والترابط النصي، والحجاج، والمنطق، والروابط الحجاجية، والنصية، والوظائف اللغوية، والتداولية، لكن قراءة أعمق تكشف وجود حركة داخلية تربط هذه الفصول بعضها ببعض، فهو يقوم على تسلسل علمي، ونسق منطقي، حيث يبدأ من العلامة وينتهي عند الفعل، فالكتاب يبدأ من العنوان؛ أي من العتبة الأولى التي يلتقي فيها القارئ بالنص، والعنوان وفق هذا التصور مدخل دلالي يؤثر في الطريقة التي سيقرأ بها المتلقي ما يأتي بعدها، أي إنه يختزل ويشير ويوحي ويوجه، وقد يفتح أفقًا دلاليًا قبل أن تبدأ الجملة الأولى من الخطاب الإعلامي، ثم ينتقل التحليل من العنوان إلى بنية النص الداخلية ، وإلى العلاقات التي تجعل مجموعة من الجمل نصًا مترابطًا، لا مجرد جمل متجاورة، وهنا يبرز التحول في المقاربة إلى مرتكزات بناء الخطاب الإعلامي من خلال دراسة الترابط، والإحالة، والربط، والحذف، والاستبدال وغيرها من الظواهر التي تكشف الهندسة الداخلية للنص، بعد ذلك ينتقل الكتاب من سؤال: كيف يتماسك النص؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف يُقنع النص؟.
حين تتحول اللغة إلى حُجة
يحتل الحجاج موقعًا مركزيًا في البنية المنهجية للكتاب؛ لأن الخطاب الإعلامي، ولا سيما المقال الافتتاحي، قلما يكتفي بنقل معلومة، فهو يقدم رؤية، ويبرر موقفًا، ويرتب أدلة، ويقود قارئه نحو نتيجة، ولهذا لا تكون الحجج متساوية القيمة والدلالة دائمًا، فهناك حجة تمهد لأخرى، وحجة أقوى من سابقتها، وحجة تأتي في نهاية البنية النصية لتدفع المتلقي نحو النتيجة، وبما يعينه على فهم القضية المطروحة واستيعاب أبعادها المختلفة، وهنا يبرز (السلم الحجاجي) بوصفه أداة تكشف تدرج الحجج وانتظامها وصولًا إلى النتيجة المقصودة، حيث لا يدرس المؤلف وجود الحجج فحسب، بل ترتيب قوتها واتجاهها داخل الخطاب الإعلامي.
ووفق تدرج لساني منهجي ينتقل التحليل إلى مستوى أكثر عمقًا، حينما يدرس الوسائل المنطقية الحجاجية؛ أي العلاقات بين المقدمات والنتائج، والطريقة التي يبنى بها الاستدلال داخل النص، للوصول إلى حقيقة منطقية مهمة، تتمثل في أن (الإقناع لا يوجد خارج اللغة، بل يُبنى داخلها). فكثير من الأدوات اللغوية، وإن بدت بسيطة في ظاهرها، مثل: (حرف عطف، أداة استدراك، أداة توكيد، صيغة تعليل)، لكنها قد تؤدي وظائف حجاجية كبرى ومؤثرة في بناء الخطاب الإعلامي وفي توجيه الحجة، ولذلك يفرد الكتاب مساحة للروابط الحجاجية، لأنها تصل بين المقدمات والنتائج، وتوجّه مسار الاستدلال داخل النص.
وعليه، فإن (لكن) ليست مجرد أداة نحوية حين تدخل مجال الحجاج، و(بل) ليست مجرد حرف إضراب، و(إنّ) لا تؤدي وظيفة تركيبية فحسب؛ إذ قد تصبح كل واحدة منها أداة في إعادة ترتيب المواقف داخل ذهن المتلقي، ووفقًا لهذه المنهجية فإن الكتاب يحول دراسة الأدوات من نحو الجملة إلى وظيفة الخطاب.
من تماسك النص إلى نصيته
بعد تحليل العلاقات الداخلية والحجاجية، يطرح الكتاب سؤالًا أوسع: ما الذي يجعل الخطاب نصًا؟، وهنا تأتي (معايير النصية) بوصفها انتقالًا من دراسة عناصر متفرقة في البناء إلى النظر في الخطاب الإعلامي باعتباره وحدة اتصالية متكاملة، وهذا المستوى بالغ الأهمية في التحليل اللغوي للخطاب الإعلامي، لأنه يعيد وضع النص داخل شبكة أوسع من العلاقات: الكاتب، والمتلقي، والسياق، والمقصد، والمعلومة السابقة، والقبول، والاتصال، فالخطاب لا يعيش في الكلمات وحدها، فيمكن أن تكون الجملة صحيحة من جهة النحو، لكنها لا تؤدي غرضها الاتصالي، ويمكن أن يكون النص مترابطًا تركيبًا، لكنه لا يحقق التأثير المطلوب إذا انفصل عن سياقه أو متلقيه، وعند هذا المستوى ينتقل الكتاب تدريجيًا من بنية اللغة إلى حياة اللغة داخل المجتمع.
عندما يصبح القول فعلًا
ويكتمل المسار التحليلي بالمقاربة التداولية، حيث ينتقل الاهتمام من معنى القول إلى ما ينجزه القول من أفعال ومقاصد، فالتداولية لا تسأل فقط عن معنى الجملة، وإنما عما يفعله المتكلم بالجملة، فالكاتب يتحدث ليخبر، ويحذر، وينصح، ويوجه، ويطالب، ويؤكد، وينفي، ويعِد، ويقرر، ومن ثم فإن اللغة ليست أقوالًا فقط، بل أفعال تؤدى بواسطة الأقوال، وحينما تُنقل هذه الفكرة إلى المجال الإ علامي، فإن السؤال يصبح أكثر أهمية: ماذا يفعل الكاتب حين يكتب؟، هل يصف الواقع أم يقوّمه؟، هل ينقل موقفًا أم يسعى إلى تأسيسه؟، هل يقدم معلومة أم يريد أن ينتج منها أثرًا؟، وعليه، يصل مسار الكتاب، الذي بدأ من العنوان بوصفه علامة، إلى القول بوصفه فعلًا اتصاليًا، ومن هذا المنطلق يمكن إعادة رسم المنهجية العلمية اللغوية التحليلية للكتاب في مسار واحد: (علامة تقود إلى نص، ونص يبني حجة، وحجة تنتج دلالة، ودلالة ترتبط بسياق، وسياق يمنح القول مقصده، والمقصد يحول القول إلى فعل وتأثير).
ثلاثة مستويات تنتظم فيها مقاربة الكتاب
تتلخص المقاربة التحليلية اللغوية للكتاب في ثلاثة مستويات كبرى:
الأول: مستوى بناء النص: كيف تنتظم اللغة داخل الخطاب الإعلامي؟، ويظهر فيه العنوان والترابط ومعايير النصية.
والثاني: مستوى بناء الإقناع: كيف تنتظم الحجج في الخطاب الإعلامي، وكيف تتدرج، وكيف تعمل الروابط والأدوات المنطقية في توجيهها؟
أما الثالث: فهو مستوى بناء العلاقة مع القارئ في الخطاب الإعلامي، ماذا يريد الخطاب الإعلامي أن يحقق؟، وما الوظائف التي يؤديها؟، وما الأفعال الكلامية التي يستدعيها؟
وهذه المستويات لا تعمل منفصلة؛ لأن الخطاب الإعلامي الناجح يبني نفسه ويبني حجته ويبني في الوقت نفسه علاقته بقارئه، ومن هذ التصور لا يعود اختلاف المناهج التي اعتمد عليها الكتاب نوعًا من التشتت؛ بل يمكن النظر إليه باعتباره استجابة لطبيعة الموضوع نفسه، فالخطاب ظاهرة مركبة، ومن الصعب اختزاله في أداة تحليلية واحدة.
بين الكاتب والمؤسسة
يمنح اختيار مقالات (رأي الجزيرة) الكتاب بُعدًا خاصًا يتصل بطبيعة الخطاب الافتتاحي وموقعه المؤسس؛ لأن المقال الافتتاحي يقع في مركزية مشتركة بين صوت الكاتب والصوت الإعلامي المؤسسي، وهذا يمنح المادة (عينة الدراسة) بعدًا يتجاوز التحليل الأسلوبي الفردي، فالقارئ لا يواجه كاتبًا منفردًا بالمعنى التقليدي، وإنما خطابًا يعمل داخل مؤسسة إعلامية، ويتصل بقضايا عامة، ويتوجه إلى جمهور واسع، ولذا يفتح الكتاب - حتى وإن لم يجعل ذلك موضوعه المباشر- سؤالًا مهمًا في دراسات الخطاب: أين ينتهي صوت الكاتب، وأين يبدأ صوت المؤسسة؟.
الكتاب بين لسانيات النص والإعلام
إحدى الخصائص اللافتة في هذا المشروع العلمي الأكاديمي أنه يقف على الحدود بين تخصصين، فهو ليس كتابًا إعلاميًا تقليديًا؛ لأن أدواته الأساسية لسانية، ونصية، وتداولية، وليس دراسة لغوية منعزلة عن الواقع؛ لأن مادته مستمدة من خطاب إعلامي حي ارتبط بقضايا وأحداث وتحولات اجتماعية ووطنية، وهذا الموقع البيني يمنحه قيمة خاصة، فهو يحاول أن يستخدم منهج (لسانيات النص وتحليل الخطاب) في قراءة وتحليل الخطاب الإعلامي، كما يحاول إثبات إمكانية تحويل المادة الإعلامية إلى نص قابل للتحليل اللساني، من خلال تفسير كيفية استعمال الكاتب الإعلامي اللغة أداةً للتواصل، وكيف يؤلف رسائل لغوية يوجهها إلى المتلقي، ويقوم بمعالجتها لغويًّا على نحو خاص لتفسيرها، ولذلك فإن المستفيد المحتمل منه ليس الباحث في اللغة وحده، ولا الباحث في الإعلام وحده، وإنما أيضًا الباحث في الاتصال، والحجاج، وتحليل الخطاب، والدلالة، والتداولية، فهو محاولة علمية جادة للجمع بين التأصيل النظري والتحليل التطبيقي، والنظر إلى المادة الإعلامية من خلال الأدوات الحديثة لتحليل الخطاب.
حدود الكتاب وآفاقه العلمية
مما لا شك فيه أن القراءة العلمية لأي عمل علمي لا تكتمل بالإشادة بنقاط قوته، بل بالسؤال أيضًا عن حدوده، وأبرز سؤال هنا يتعلق بالمدونة: هل يمكن الانتقال من تحليل مئة مقال في صحيفة واحدة إلى أحكام عامة على (لغة الخطاب الإعلامي)؟، علميًا ومنهجيًا، ينبغي التعامل بحذر مع هذا الانتقال، فالكتاب يقدم دراسة معمقة لنموذج محدد من الخطاب الإعلامي، ولذلك تكمن قوته في عمق دراسة الحالة أكثر من كونها مسحًا شاملاً لجميع الخطابات الإعلامية بنوعيها السعودية أو العربية.
لكن هذه الحدود يمكن قراءتها أيضًا بوصفها أبوابًا بحثية فتحها الكتاب، فما بدأ بدراسة المقال الافتتاحي يمكن أن يمتد إلى الخبر، والتحقيق، والمقابلة، والخطاب التلفزيوني، والمنصات الرقمية، وشبكات التواصل الاجتماعي، ويمكن أن تنتقل الأسئلة نفسها من النص الأحادي إلى الخطاب متعدد الوسائط الذي تتداخل فيه الكلمة، والصورة، والصوت، والفيديو، وبهذا المعنى، لا تقاس قيمة الكتاب فقط بالأسئلة التي أجاب عنها، بل أيضًا بالأسئلة التي جعلها ممكنة.
من تحليل اللغة إلى تحليل صناعة المعنى
ربما كان التعبير الأكثر اختصارًا عن الكتاب أنه لا يدرس (لغة الإعلام) بوصفها مجموعة من السمات الأسلوبية، وإنما يدرس صناعة المعنى باللغة داخل الخطاب الإعلامي، وهذا فارق جوهري، فالتحليل اللساني في الكتاب لا يتوقف عند المفردة ولا عند الجملة ولا عند الموضوع؛ وإنما يحاول رؤية النظام الذي تنتظم فيه هذه العناصر جميعًا حتى يصبح للخطاب اتجاه، وفق الآتي: (العنوان يهيئ، والإحالة تربط، والرابط يوجه، والحجة تقنع، والسياق يفسر، والفعل الكلامي ينجز، والقارئ يعيد بناء المعنى). وحين تجتمع هذه المستويات يتبين أن الخطاب الإعلامي، مهما بدا بسيطًا على سطحه، فهو بناء معقد تشترك في إنتاجه مستويات لغوية ودلالية وتداولية متعددة.
ولذلك يمكن القول إن القيمة العلمية الأعمق لكتاب (لغة الخطاب الإعلامي- مقاربات في البنية والسياق والدلالة)، أنه لا يدعو إلى قراءة ما يقوله الخطاب الإعلامي فقط، وإنما إلى أن مراقبة كيف يقول الخطاب الإعلامي ما يقوله، وكيف تستطيع اللغة أن ترتب الأحدث والقضايا والأفكار والمضامين أمام القارئ، وتمنحه مساحة للنظر، ومسارًا للاستدلال، وإطارًا لتفسير الحدث، وفي زمن تتضاعف فيه الرسائل الإعلامية وتتنافس على تشكيل الإدراك العام، يصبح فهم هذه الآليات جزءاً من فهم الطريقة التي يُبنى بها الوعي نفسه، فحين نقرأ خطابًا إعلاميًا، هل نقرأ الكلمات فقط، أم نقرأ أيضًا الطريقة التي صُممت بها تلك الكلمات لكي تجعلنا نرى الأشياء على نحو معين؟، سؤال جوهري يحدد المسافة بين قراءة الإعلام وقراءة لغة الإعلام.
** **
- محمد بن عبدالرحمن العلي