د.شريف بن محمد الأتربي
يظل أمين المكتبة أو أمين مركز مصادر التعلم -سمه ما شئت- هو حصن الأمان للطالب بعد الله تعالى، حيث يلجأ إليه طلبا لدعمه ومشورته المعرفية قبل العلمية، آملا أن يجد لديه ما يلبي نهمه العلمي، وخوفه المعلوماتي، وترتيبه المفاهيمي.
فنحن حين نتحدث عن المدرسة، تتجه الأضواء غالبًا إلى المعلم باعتباره صاحب الدور الأبرز في عملية التعليم، ثم إلى مدير المدرسة باعتباره قائدها والمسؤول عن إدارتها. وبينهما تتوزع أدوار أخرى كثيرة، بعضها نراه بوضوح، وبعضها يعمل في صمت حتى يكاد لا يلتفت إليه أحد.
ومن بين هذه الأدوار يأتي أمين مركز مصادر التعلم، أو ما زال البعض يصر على تسميته «أمين المكتبة»، وكأن المدرسة لا تزال تعيش في زمن كانت فيه المعرفة مجموعة من الكتب المرتبة على أرفف، وكان أقصى ما يحتاجه الطالب هو أن يجد الكتاب الذي يبحث عنه.
لكن هل هذا هو الدور الذي تحتاج إليه المدرسة اليوم؟
في عصر تتدفق فيه المعرفة من مصادر لا حصر لها، وتتحول فيه المعلومة خلال دقائق من حقيقة إلى معلومة مضللة، ويستطيع فيه الطالب الوصول إلى آلاف المصادر بضغطة زر، لم تعد المشكلة في الوصول إلى المعرفة بقدر ما أصبحت في اختيارها وفهمها والتحقق منها وتوظيفها.
وهنا تتغير وظيفة مركز مصادر التعلم، ويتغير معها دور أمينه.
لم يعد المطلوب من أميننا أن يحفظ ترتيب الكتب، أو يسجل عمليات الإعارة فحسب، وإنما أن يكون جزءًا من المنظومة المعرفية التعليمية التي تساعد الطالب على الانتقال من مجرد مستهلك للمعلومة إلى باحث عنها، وناقد لها، وقادر على إنتاج المعرفة من خلالها.
فالطالب الذي يبحث في الإنترنت عن موضوع لمشروعه الدراسي لا يحتاج فقط إلى جهاز متصل بالشبكة، وإنما يحتاج إلى من يعلمه كيف يحدد سؤاله، وكيف يميز المصدر الموثوق من غيره، وكيف يقارن بين المعلومات، وكيف يوثق ما يصل إليه، وكيف يستخدم الأدوات الرقمية بصورة مسؤولة.
وهنا يصبح مركز مصادر التعلم مساحة للتعلم والبحث والاستكشاف، وليس غرفة تحتوي على الكتب والأجهزة.
والأمر أكثر أهمية مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى حياة الطالب. فالطالب يستطيع اليوم أن يطلب من أدوات الذكاء الاصطناعي كتابة تقرير أو تلخيص كتاب أو الإجابة عن سؤال، لكن التحدي الحقيقي ليس في قدرة الأداة على تقديم الإجابة، وإنما في قدرة الطالب على أن يسأل: هل هذه الإجابة صحيحة؟ من أين جاءت؟ ما مصادرها؟ وهل يمكن الوثوق بها؟
ولنتخيل طالبًا كُلّف بإعداد تقرير عن أثر الطاقة المتجددة، فاستخدم إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على إجابة جاهزة. هنا لا يكون دور أمين مركز مصادر التعلم منع الطالب من استخدام الأداة، ولا قبول الإجابة كما هي، بل مساعدته على قراءة الناتج بعين ناقدة: هل الأرقام دقيقة؟ هل ذُكرت مصادر يمكن العودة إليها؟ هل توجد معلومات أحدث أو أكثر موثوقية؟ ثم يوجهه إلى قواعد بيانات ومواقع علمية ومصادر موثوقة ليقارن بينها، ويعيد صياغة تقريره اعتمادًا على فهمه لا على نسخ الإجابة فقط.
هذه الأسئلة تجعل مهارات البحث والتحقق والتفكير النقدي أكثر أهمية من أي وقت مضى، وتجعل أمين مركز مصادر التعلم أمام دور جديد يمكن أن يكون أحد أهم الأدوار التعليمية في المدرسة الحديثة.
فمركز مصادر التعلم يمكن أن يصبح المكان الذي يلتقي فيه الكتاب بالمصدر الرقمي، والمعلومة بالتجربة، والطالب بالمشروع، والمعلم بالأداة، والذكاء الاصطناعي بالتفكير النقدي.
ويمكن لأمين المركز أن يعمل مع المعلمين على تصميم مهام بحثية حقيقية، وأن يساعد الطلاب في الوصول إلى مصادر متنوعة، وأن ينظم برامج للقراءة والبحث، وأن يدعم المشروعات الطلابية، وأن يشارك في بناء الثقافة الرقمية والمعلوماتية داخل المدرسة.
لكن الوصول إلى هذا الدور لا يتحقق بتغيير المسمى الوظيفي وحده.
فإذا كنا نريد من أمين مركز مصادر التعلم أن يكون شريكًا في العملية التعليمية، فعلينا أن نسأل أولًا: هل أعددناه لهذا الدور؟
هل يمتلك مهارات البحث العلمي؟ هل يعرف قواعد تقييم المصادر الرقمية؟ هل يستطيع التعامل مع قواعد البيانات والمكتبات الرقمية؟ هل يفهم احتياجات المتعلمين المختلفة؟ وهل يمتلك الحد الأدنى من المعرفة بأدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاتها التعليمية؟
ثم يأتي السؤال الأهم: هل نعطيه مساحة حقيقية داخل العملية التعليمية؟
فمن الصعب أن نطلب من شخص أن يكون شريكًا في التعلم بينما يتم اختزال دوره في فتح المركز وإغلاقه، وتنظيم العهدة، ومتابعة الإعارة، وتنفيذ الإجراءات الإدارية.
إن إعادة تعريف هذا الدور تحتاج إلى أن يصبح مركز مصادر التعلم جزءًا من التخطيط التعليمي للمدرسة، وأن يعرف المعلم أن بإمكانه الاستفادة من أمين المركز في إعداد مشروعات الطلاب، وأن يعرف الطالب أن المركز ليس مكانًا يذهب إليه عند الحاجة إلى كتاب فقط، وإنما مساحة يمكن أن يبدأ منها مشروعه وسؤاله واكتشافه.
بل يمكن أن يمتد دوره إلى خارج المركز نفسه؛ من خلال إنشاء مجتمعات للقراءة، وورش للبحث، ومبادرات للتحقق من المعلومات، ومساحات للابتكار والمشروعات، وربط الطلاب بالمصادر المحلية والعالمية.
وعندما يحدث ذلك، لن يكون أمين مركز مصادر التعلم موظفًا يقف على هامش العملية التعليمية، بل أحد ميسريها وصانعي بيئتها المعرفية.
ولعل إعادة النظر في هذا الدور يجب ألا تكون منفصلة عن منظومة تقييم الأداء؛ فوجود معايير لتقييم أداء هذه الوظائف في المدرسة يعني أن المؤسسة التعليمية تنظر إليها باعتبارها أدوارًا لها مسؤوليات ونتائج يمكن قياسها. لكن القياس الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند عدد الكتب التي تمت إعارتها أو السجلات التي تم تحديثها، بل يجب أن يمتد إلى الأثر الذي أحدثه المركز في تعلم الطلاب.
كم طالبًا تعلم كيف يبحث بصورة صحيحة؟
كم مشروعًا طلابيًا استفاد من المركز؟
كم طالبًا أصبح قادرًا على التمييز بين المصدر الموثوق والمضلل؟
كم معلمًا وجد في المركز شريكًا يساعده على إثراء تعلم طلابه؟
وكم طالبًا اكتشف من خلاله شغفًا بالقراءة أو البحث أو الابتكار؟
هذه هي الأسئلة التي تنقلنا من قياس النشاط إلى قياس الأثر.
المدرسة الحديثة لا تحتاج إلى المزيد من الغرف التي تحفظ المعرفة، وإنما إلى بيئات تساعد الطالب على استخدامها وصناعة معرفة جديدة منها.ولهذا ربما آن الأوان أن نتوقف عن سؤال أمين مركز مصادر التعلم: «كم كتابًا لديك؟»، ونبدأ بسؤاله: «كم طالبًا ساعدت على أن يصبح باحثًا أفضل؟»
فالمكتبة التي كانت في الماضي مكانًا للكتب، أصبحت اليوم مركزًا للمصادر، ومركز المصادر الذي نعرفه اليوم يمكن أن يتحول غدًا إلى مركز لصناعة المعرفة.وعندما يحدث ذلك، لن يكون أمين مركز مصادر التعلم مجرد أمين على الكتب، بل أمينًا على رحلة الطالب نحو المعرفة.