غادة الوعلان
طوال عقود، حملت شهادة الثانوية وظيفتين متداخلتين: أن تثبت أن الطالب أتم التعليم العام بنجاح، وأن تكون مؤشرًا على استعداده للمرحلة الجامعية. لكن هاتين الوظيفتين ليستا بالضرورة شيئًا واحدًا. فالمدرسة تجيب عن سؤال: هل حقق الطالب متطلبات المرحلة الثانوية؟
بينما تحتاج الجامعة إلى إجابة عن سؤال مختلف: هل يمتلك هذا الطالب المعرفة والقدرات والمهارات التي تمكنه من النجاح في تخصص جامعي محدد؟
ومن هنا تبدو تجربة جامعة الملك فهد للبترول والمعادن لافتة. فالجامعة لم تتخلَّ عن القياس، واتجهت إلى بناء معيار أقرب إلى احتياجاتها؛ فالاختبار التحصيلي الخاص بها، وفق دليل القبول، يقيس المواد العلمية للصفين الأول والثاني الثانوي، ويضم كذلك مكونات للمهارات والتفكير الناقد والحصول على المعلومات وتقييمها والمهارات العددية واستخدام الحاسب لمعالجة البيانات. أي أن الرسالة الضمنية لا تعني أن «درجات المدرسة لا قيمة لها»، وإنما تضعنا أمام حقيقة: هل ينبغي أن يكون تقييم المدرسة هو نفسه معيار الجامعة؟
وهنا تبدأ القضية الحقيقية. هل من المنطقي أن تكون «النسبة» لغة الجميع؟
طالب يحصل على 98% في مدرسة، وآخر يحصل على النسبة نفسها في مدرسة أخرى. هل تعني النسبتان المستوى نفسه بالضرورة؟
السؤال لا يتعلق بنزاهة المدارس أو كفاءة المعلمين، وإنما بطبيعة القياس نفسه. فالدرجات المدرسية تنتج عن بيئات تعليمية متعددة، ومعلمين مختلفين، وأدوات تقويم متفاوتة، وسياسات مدرسية قد تختلف في صرامتها وتطبيقها. ولذلك فإن المقارنة بين آلاف الطلاب من خلال رقم واحد تثير مسألة قابلية الدرجات للمقارنة.
ولهذا يصبح قرار جامعة ذات تخصصات علمية وهندسية مكثفة بتطوير أدواتها الخاصة مثيرًا للاهتمام تربويًا: الجامعة تحدد الكفايات التي ترى أنها ضرورية للنجاح لديها، ثم تقيسها بصورة أكثر مباشرة. بل إن تعدد مسارات القبول يعزز الفكرة؛ ففي مسار SAT مثلًا تسمح الجامعة بالتقدم لمن حصل على 1350 فأعلى، دون اشتراط القدرات والتحصيلي، ثم تشترط للمتأهلين اختبار الرياضيات الخاص بها، وقد تطلب مقابلة، إضافة إلى خطاب التوصية وبيان الغرض.
فلم نعد بحاجة إلى معرفة كم حصل الطالب في الثانوية؟ وإنما بحاجة إلى: ماذا يستطيع الطالب أن يفعل الآن، وهل يمتلك متطلبات النجاح في البيئة التي يريد الالتحاق بها؟
ولكن… إذا لم تعد الثانوية معيار القبول، فما وظيفتها؟ هذا في تقديري هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح على مستوى السياسة التعليمية.
فشهادة الثانوية لا ينبغي اختزالها في «تذكرة دخول إلى الجامعة». لها وظيفة مستقلة وأوسع: أن تشهد بأن المتعلم أنهى مرحلة التعليم العام وحقق الحد المطلوب من معارفها ومهاراتها وكفاياتها.
لكن عندما تضطر الجامعات إلى بناء اختبارات إضافية حتى تتحقق بنفسها من جاهزية خريج الثانوية، يظهر سؤال مشروع: هل نحن بحاجة إلى إعادة تعريف العلاقة بين تقويم التعليم العام وتقويم القبول الجامعي؟ وربما يكون الفصل بينهما أكثر وضوحًا هو الحل؛ فتتولى المدرسة مسؤولية تقويم التعلم ومنح شهادة إتمام المرحلة الثانوية، بينما تتولى الجامعة مسؤولية تحديد معايير القبول التي تتنبأ بالنجاح في برامجها. وعندها لن نحمّل شهادة الثانوية ما لا تحتمل. فالطالب قد يكون خريجًا ناجحًا في التعليم العام، لكنه غير مستعد بعدُ لدراسة الهندسة في جامعة شديدة التنافسية. وقد يمتلك طالب آخر استعدادًا استثنائيًا لتخصص معين لا تكشف عنه نسبته المدرسية وحدها.ربما تحتاج منظومة التعليم إلى ثلاثة مستويات واضحة بدل أن نطلب من رقم واحد أداء ثلاث وظائف مختلفة: المدرسة تقيس تحقق نواتج التعليم العام عبر تقويم مستمر وأصيل، وجهة قياس معيارية توفر أدوات تسمح بالمقارنة العادلة بين الطلاب على نطاق وطني، والجامعة تقيس الجاهزية الخاصة بالتخصص أو المؤسسة عندما تكون طبيعة برامجها تستدعي ذلك.
هذا الفصل لا ينتقص من المدرسة، وإنما قد يعيد إليها وظيفتها الحقيقية. فحين تصبح النسبة المدرسية بوابة المستقبل الوحيدة، قد يتحول التعليم ـ من حيث لا نشعر ـ إلى سباق للحصول على الدرجة. أما عندما تتحرر المدرسة جزئيًا من عبء المفاضلة الجامعية، فيكون التركيز داخل الفصل: ماذا تعلم الطالب؟ بدلًا من: كم درجة حصل عليها؟
وهنا يمكن أن يتحول التقويم من أداة للفرز إلى أداة لتحسين التعلم.
هل أصبحت شهادة الثانوية لزامًا؟
نعم، ولكن ربما ليس بالمعنى الذي اعتدناه.حتى في مسار القبول الأساسي الحالي بجامعة الملك فهد، يشترط أن يكون المتقدم خريجًا للثانوية؛ أي أن الشهادة لم تفقد ضرورتها النظامية والتعليمية، وإنما تغير وزنها في قرار القبول. وهذا التمييز بالغ الأهمية: الشهادة تقول: أكملت التعليم العام. واختبار القبول يقول: أنت مستعد لهذا المسار الجامعي.ولا يوجد بالضرورة سبب تربوي يجعل الوثيقة نفسها مطالبة بإثبات الأمرين معًا.
لذا نجد تجربة جامعة الملك فهد للبترول والمعادن لا ينبغي قراءتها فقط باعتبارها تعديلًا في «نسب القبول». إنها فرصة لفتح نقاش أوسع حول فلسفة التقويم في التعليم السعودي: إذا كانت الجامعة قادرة على تحديد ما تحتاجه من طالبها وقياسه بنفسها، فما الذي ينبغي أن تقيسه المدرسة؟
وهل نحتاج مستقبلًا إلى أن تكون شهادة الثانوية شهادة كفايات وإنجاز تعلم أكثر من كونها رقمًا تنافسيًا؟ وهل ينبغي أن تمتلك الجامعات مساحة أوسع لبناء اختبارات قبول مرتبطة بطبيعة برامجها، بدل أن تتنافس جميع التخصصات على الطالب من خلال نسبة موحدة؟
الأهم هنا أنه لا ينبغي أن يكون التفكير في إلغاء التقويم، وإنما في إعادة توزيع مسؤوليته.
فالمدرسة ليست مكتب قبول للجامعة، والجامعة ليست جهة تصديق على درجات المدرسة، والطالب أكبر من أن تختزل اثنتا عشرة سنة من تعليمه في رقم من خانتين. ولعل السؤال الذي تضعه هذه التجربة أمامنا:
إلى ماذا نحتاج شهادة الثانوية تحديدًا؟ وماذا يجب أن تشهد عليه؟ ومن يملك، بعد ذلك، حق الحكم على جاهزية الطالب للخطوة التالية؟
حين نجيب بوضوح عن هذه الأسئلة، قد نكتشف أن إصلاح القبول الجامعي يبدأ قبل أبواب الجامعة بسنوات، من اللحظة التي نعيد فيها تعريف معنى التقويم نفسه.