بعض الزيارات تُقرأ في جدول المواعيد، وبعضها تُقرأ في توقيتها ورسائلها وما تحمله من دلالات.
وزيارة سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى جمهورية مصر العربية الشقيقة، لم تكن مجرد لقاء رسمي يضاف إلى سجل الزيارات المتبادلة؛ فقد جاءت في توقيت إقليمي مهم، وفي ظل ظروف وتحديات تجعل التشاور بين الرياض والقاهرة أكثر أهمية.
وجاءت الزيارة العمل في 15 سبتمبر 2026 بناءً على توجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، للقاء الرئيس عبدالفتاح السيسي، وبحث العلاقات الثنائية والقضايا ذات الاهتمام المشترك.
وهنا تكمن دلالة الزيارة؛ فالسعودية ومصر دولتان لهما ثقلهما السياسي والاقتصادي والجغرافي، وما يحدث في المنطقة يفرض استمرار التواصل والتنسيق بينهما، خصوصًا في الملفات المرتبطة بالأمن والاستقرار والمصالح الاقتصادية.
وقد تناولت المباحثات العلاقات الثنائية وتطورات المنطقة، إلى جانب قضايا أمن وحرية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز وباب المندب، وهي ملفات ترتبط بأمن المنطقة وحركة التجارة والاقتصاد.
والعلاقة السعودية المصرية لا تبدأ من زيارة سبتمبر 2026، ولا تنتهي بها، ففي أكتوبر 2024، شهد البلدان تشكيل مجلس التنسيق الأعلى السعودي المصري برئاسة ولي العهد والرئيس المصري، إلى جانب توقيع اتفاقية لتشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة، بما يعكس اتجاهًا نحو تعزيز العمل المؤسسي بين البلدين، وهذا هو المسار الذي نريد أن نراه يتقدم أكثر.
فالعلاقات القوية بين الدول لا تُقاس بعدد الزيارات واللقاءات فقط، وإنما بما ينتج عنها من مشروعات وفرص واستثمارات وتبادل تجاري وتعاون ثقافي وسياحي وتعليمي يعود بالنفع على الشعبين.
السعودية تعيش تحولًا اقتصاديًا وتنمويًا واسعًا، ومصر تمتلك موقعًا جغرافيًا مهمًا وسوقًا كبيرة وموارد بشرية ضخمة، وهناك مجالات واسعة يمكن للبلدين البناء عليها وتعزيزها.
ومن هنا، فإن توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري والسياحي والثقافي والرياضي والإعلامي يمثل مساحة مهمة يمكن البناء عليها، إلى جانب تعزيز فرص القطاع الخاص وتبادل الخبرات والاستفادة من الإمكانات التي يمتلكها البلدان.
فالسياسة تفتح الأبواب، والاقتصاد يصنع المصالح، والتواصل بين الشعوب يمنح العلاقات قدرتها على الاستمرار.
والمنطقة اليوم تمر بتحديات سياسية وأمنية واقتصادية كبيرة، وتحتاج إلى مزيد من الاستقرار والتنمية والتعاون، وإلى علاقات عربية تقوم على المصالح المتبادلة والعمل المشترك، ومن هذا المنطلق تكتسب العلاقة بين الرياض والقاهرة أهميتها.
زيارة ولي العهد إلى القاهرة انتهت في اليوم نفسه، لكن قيمة الزيارات السياسية لا تُقاس بطول مدتها؛ فما يبقى بعد مغادرة الوفود وانتهاء مراسم الاستقبال هو ما تنتجه اللقاءات من تفاهمات وتعاون وعمل مشترك.
جدير بالقول إن زيارة محمد بن سلمان إلى مصر لم تكن زيارة عابرة، بل كانت محطة ضمن علاقة ممتدة، وجاءت في توقيت مهم، وحملت مباحثاتها ملفات تتصل بمصالح البلدين وتطورات المنطقة.
** **
- سلطان بن حسين الشبرمي