د. سطام بن عبدالله آل سعد
بعد أن هدأت عاصفة انتخابات مجلس إدارة الاتحاد السعودي لكرة القدم، وبدأت مرحلة جديدة بقيادة بدر الرزيزاء ومجلسه، تبدو المسؤولية أكبر من إطلاق الوعود المعتادة عن البطولات والعودة إلى منصات التتويج، لأن الجمهور السعودي سمع مثل هذه الوعود كثيرًا، وعاش معها دورات متتالية من التوقعات ثم الإحباط. ما يحتاجه الشارع الرياضي اليوم هو مشروع واضح يعيد بناء كرة القدم السعودية من جذورها، حتى وإن احتاجت نتائجه سنوات قبل أن تظهر.
الجمهور يستطيع أن يتقبل خسارة بطولة أو الخروج من كأس آسيا أو كأس الخليج إذا رأى أمامه جيلًا جديدًا يتشكل بصورة صحيحة، لأن المشكلة الحقيقية تبدأ قبل وصول اللاعب إلى المنتخب الأول بسنوات، داخل الفئات السنية والأكاديميات وملاعب التدريب، حيث تتكون المهارات الفنية والقدرات البدنية والوعي التكتيكي والشخصية داخل الملعب. وعندما يصل اللاعب إلى المنتخب الأول وهو يعاني نقصًا في أساسيات اللعبة، يصبح إصلاح ما فات أكثر صعوبة مهما تغير المدرب أو تبدلت الخطط.
لهذا يجب أن تكون الفئات السنية قلب المشروع الجديد، من خلال منظومة دقيقة لاكتشاف المواهب في مختلف مدن المملكة ومناطقها، ثم تطويرها داخل أكاديميات ذات جودة عالية وبرامج واضحة. النجاح هنا لا يقاس بعدد الأكاديميات أو المسجلين فيها، وإنما بعدد المواهب التي تم اكتشافها، وكيف تطورت، وأين وصلت بعد خمس أو عشر سنوات، ومدى قدرتها على المنافسة فنيًا وبدنيًا وذهنيًا في المستويات العليا.
كما يحتاج كل لاعب واعد إلى سجل رياضي متكامل يرافقه منذ المراحل الأولى، يشمل تطوره الفني والبدني، وتاريخ إصاباته، وقياساته، وتغذيته، ونومه، ووزنه، وسرعته، وقوته، وتحمله، ومستوى تطوره في مركزه، لأن صناعة اللاعب الحديثة أصبحت عملية تعتمد على البيانات والمتابعة والبرامج المتخصصة، من حارس المرمى حتى رأس الحربة، ولم تعد الموهبة وحدها كافية للوصول إلى المستوى الدولي.
المجلس الجديد مطالب أيضًا بأن ينقل خططه من الورق إلى الميدان، من خلال متابعة الأكاديميات والمدربين والبرامج وطرق اختيار اللاعبين، وربط العمل بمؤشرات أداء واضحة تكشف سنويًا ما تحقق وما تعثر. فالاستراتيجية التي لا يمكن قياس نتائجها تتحول مع الوقت إلى عبارات عامة، بينما المشروع الحقيقي يستطيع أن يجيب بالأرقام عن عدد المواهب التي اكتشفت، وعدد اللاعبين الذين تطوروا، ونوعية التحسن الذي طرأ على تكوين اللاعب السعودي.
وتبقى العقبة الأصعب في أن مدة المجالس قصيرة، بينما صناعة جيل كروي تحتاج سنوات طويلة، ولهذا فإن البحث عن بطولة سريعة قد يكون أكثر إغراءً من الاستثمار في مشروع تظهر ثماره بعد انتهاء دورة المجلس. هنا يظهر معنى النجاح الحقيقي؛ أن يؤسس المجلس منظومة تستمر بعده، ويأتي من يخلفه ليكملها، لأن كرة القدم لا تبنى كل أربع سنوات من نقطة الصفر.
لذلك، لا تتمثل مهمة الاتحاد الجديد في تحقيق البطولة القادمة بقدر ما تتمثل في صناعة اللاعب القادر على تحقيقها مستقبلًا. نريد أن نعرف كيف ستتطور الفئات السنية، وكيف ستُكتشف المواهب، وكيف سترتقي الأكاديميات، وكيف سيُقاس العمل عامًا بعد عام. قد يتأخر الوصول إلى الكأس، لكن الأهم ألا تمر السنوات من دون أن نبني الطريق إليها.
ورسالتنا إلى الأستاذ بدر الرزيزاء ومجلسه الموقر: لا نريد وعدًا بالكأس، نريد مشروعًا يصنع من يرفعها.