د.شريف بن محمد الأتربي
حين نكتشف طالبًا يمتلك قدرة استثنائية، فإننا لا نكون قد وصلنا إلى نهاية الطريق، بل نكون قد وضعنا أقدامنا على أوله.
فالاختيار، مهما بلغت دقته، لا يصنع الموهبة، وإنما يكشف عنها. أما المهمة الأصعب فتبدأ بعد ذلك: كيف نحول هذه القدرة إلى معرفة، والمعرفة إلى مهارة، والمهارة إلى إنجاز، والإنجاز إلى أثر؟
وهنا يبرز سؤال أعتقد أنه يستحق أن نطرحه بصراحة: بعد أن نكتشف الطالب الموهوب، هل يتغير التعليم الذي نقدمه له فعلًا؟
قد نكون نجحنا في اكتشاف الطالب المختلف، لكننا لم ننجح بعد في بناء التعليم المختلف الذي يحتاجه.
الاختيار ليس خط النهاية
من السهل أن نحتفل بالطالب بعد إعلان اختياره ضمن برامج الموهوبين، وأن نضع أمام اسمه كلمة «موهوب»، لكن الأصعب أن نترجم هذه الكلمة إلى تجربة تعليمية مختلفة.
فالطالب الذي يمتلك قدرة أعلى على التحليل، أو سرعة أكبر في التعلم، أو شغفًا استثنائيًا بمجال معين، لا يحتاج بالضرورة إلى المزيد من الواجبات نفسها، ولا إلى عدد أكبر من الصفحات، ولا إلى أن ينجز المنهج نفسه في وقت أقل فقط.
إنه يحتاج إلى تعلم أكثر عمقًا، وأسئلة أكثر تحديًا، ومساحات أوسع للتجريب، وفرص حقيقية للبحث والاكتشاف والإنتاج.
والسؤال الذي يجب أن يلاحقنا هنا ليس: هل تم اختيار الطالب؟ بل: ماذا تغير في تعليمه بعد اختياره؟
إذا بقي الطالب الموهوب يتلقى الدرس نفسه، بالطريقة نفسها، من المعلم نفسه، وبالسرعة نفسها، ويخضع للتقييم نفسه الذي يخضع له جميع زملائه، فماذا أضافت عملية اكتشاف الموهبة إلى تجربته التعليمية؟
حين لا يكفي أن نقول له: أنت موهوب
الموهبة ليست بطاقة تعريف، وليست لقبًا يرافق الطالب في ملفه المدرسي.
إنها مسؤولية تعليمية.
وهذا ما يمكن أن نتعلمه من تجارب دولية مختلفة. ففي سنغافورة، على سبيل المثال، أعيد في عام 2024 تصميم برنامج التعليم المخصص للطلاب ذوي القدرات العالية في المرحلة الابتدائية؛ فلم يعد التركيز على برنامج مركزي محدود العدد فقط، بل اتجهت الدولة إلى توسيع البرامج داخل المدارس، وإتاحة فرص للطلاب ذوي القدرات العالية في مجالات محددة، مع إمكان اكتشافهم في نقاط زمنية متعددة، والاستناد إلى ملاحظات المعلمين وأعمال الطلاب إلى جانب الاختبارات. كما أصبحت البرامج أكثر تخصيصًا بدل تقديم منهج موحد لكل من تم اختيارهم.
واللافت في التجربة ليس مجرد تغيير آلية الاختيار، بل الفكرة التي تقف خلفها: الطالب لا ينبغي أن يُختزل في نتيجة اختبار، والموهبة لا ينبغي أن تُفهم على أنها حالة ثابتة تُكتشف مرة واحدة.
بل إن سنغافورة اتجهت إلى جعل برامج الطلاب ذوي القدرات العالية أقرب إلى اهتماماتهم ومجالات قوتهم، وإلى تطوير التعلم من خلال البحث والاستقصاء والمشروعات، لا من خلال الاستعداد للاختبارات فقط.
وهنا السؤال الذي يهمنا أكثر: هل نحتاج نحن أيضًا إلى الانتقال من برنامج للموهوبين إلى منظومة لتنمية الموهبة؟
المعلم.. مكتشف الموهبة مرة أخرى
إذا كان الاختبار يكتشف الموهبة في لحظة، فإن المعلم يستطيع أن يكتشفها وهي تنمو.
وهنا تبرز أهمية ما طرحه الباحثون «رينا سوبوتنيك، وبولا أولشفسكي-كوبيليوس، وفرانك ووريل» في أدبيات تنمية الموهبة؛ إذ ينظر نموذجهم إلى الموهبة بوصفها مسارًا تطوريًا ينتقل فيه الفرد من الإمكانات إلى الكفاءة ثم الخبرة، وأن الفرص التعليمية والتدريبية والدعم المستمر عناصر أساسية في هذا المسار.
وبهذه الرؤية يصبح المعلم أكثر من ناقل للمحتوى؛ يصبح مكتشفًا مستمرًا للقدرات.
قد يكتشف طالبًا لا يظهر تفوقه في الاختبارات التقليدية، لكنه يستطيع بناء نموذج، أو طرح سؤال مختلف، أو حل مشكلة بطريقة غير مألوفة، أو الاستمرار في البحث في موضوع يشغفه رغم عدم وجوده في المنهج.
وهنا ينبغي ألا تكون الموهبة محصورة في ملف الطالب، بل حاضرة في عين المعلم، وفي تصميم الدرس، وفي طريقة طرح الأسئلة، وفي طبيعة المهام التي تقدم للطلاب.
منهج ينطلق منه الطالب.. لا سقف يحبسه فيه
أحد أكبر الأخطاء التي يمكن أن نقع فيها هو أن يصبح المنهج هو السقف الذي يتوقف عنده الطالب الموهوب.
فالمنهج يجب أن يكون نقطة انطلاق، لا نقطة نهاية.
إذا كان الطالب قادرًا على تجاوز المستوى المعرفي المطلوب منه، فلماذا لا نمنحه فرصة للانتقال من المعرفة إلى البحث؟ ومن الإجابة إلى صياغة السؤال؟ ومن حل المشكلة إلى اكتشاف مشكلة جديدة؟
الطالب الموهوب لا يحتاج دائمًا إلى أن «يتعلم أكثر»، وإنما يحتاج في أحيان كثيرة إلى أن يتعلم بصورة مختلفة.
قد يكون الاختلاف في العمق، أو في التعقيد، أو في طبيعة المهمة، أو في مستوى الاستقلالية، أو في المجال الذي يختاره الطالب لنفسه.
وهذا يعني أن إثراء تعليم الموهوب لا ينبغي أن يتحول إلى «منهج إضافي»، بل إلى تجربة تعلم مختلفة.
حين يكون الاختلاف في السرعة
وهناك بعد آخر لا يحظى دائمًا بما يستحقه من الاهتمام: سرعة التعلم.
فبعض الطلاب لا يحتاجون إلى أن يمضوا الوقت نفسه الذي يحتاجه زملاؤهم لفهم مفهوم معين. وبعضهم يستطيع الانتقال إلى مستوى أكثر تقدمًا قبل أن ينتهي زملاؤه من المستوى الحالي.
ولهذا تناولت أدبيات التسريع الأكاديمي، ومنها تقرير A Nation Empowered الصادر عن «جامعة أيوا»، التسريع بوصفه أحد الخيارات التعليمية المهمة للطلاب ذوي القدرات الأكاديمية العالية، وليس مجرد اختصار للسنوات الدراسية. وتشمل أشكاله خيارات متعددة يمكن أن تتناسب مع احتياجات الطالب بدل فرض مسار واحد على الجميع.
والتسريع هنا لا يعني بالضرورة أن يقفز الطالب صفًا دراسيًا كاملًا؛ فقد يكون في مادة محددة، أو في موضوع معين، أو من خلال مسار أكثر تقدمًا في مجال يمتلك فيه قدرة واضحة.
المهم أن نسأل: هل نسمح للطالب أن يتقدم بالسرعة التي تتناسب مع قدرته، أم نطالبه دائمًا بانتظار الجميع؟
فخ التعامل مع الموهوبين ككتلة واحدة
حتى بعد أن نكتشف الموهبة، هناك خطأ آخر: أن نتعامل مع جميع الموهوبين بالطريقة نفسها.
فليس كل موهوب موهوبًا في الشيء نفسه، ولا بالطريقة نفسها، ولا في المرحلة العمرية نفسها.
قد يكون أحدهم متفوقًا في الرياضيات، وآخر في اللغة، وثالث في العلوم، ورابع يمتلك قدرة استثنائية على التفكير الإبداعي وحل المشكلات.
بل قد يكون الطالب قويًا جدًا في مجال، ومتوسطًا في مجال آخر.
وهذا تحديدًا أحد الدروس التي ظهرت في إعادة تصميم تجربة سنغافورة؛ إذ أصبح بالإمكان تقديم برامج للطالب بناءً على مجال قوته واهتمامه، بدل افتراض أن الطالب الموهوب يجب أن يكون متفوقًا بالطريقة نفسها في جميع المجالات.
إذن، التعليم المتميز للموهوبين لا يعني تعليم جميع الموهوبين بطريقة واحدة، بل تعليم كل موهوب بالطريقة التي تساعد موهبته على النمو.
ماذا بعد الاختيار إذن؟
ربما نحتاج إلى إعادة تعريف ما نسميه «برنامج الموهوبين».
فالبرنامج الحقيقي لا ينبغي أن يبدأ بالاختيار وينتهي بشهادة مشاركة أو مسابقة أو رحلة إثرائية.
بل يجب أن يبدأ من سؤال: ماذا نريد لهذه الموهبة أن تصبح؟
ومن هنا يمكن أن تتشكل رحلة أكثر وضوحًا: تشخيص مستمر، وخطة تعلم فردية، ومهام أكثر عمقًا، ومشروعات حقيقية، وتوجيه وإرشاد، ومرشدون من خارج المدرسة عند الحاجة، وفرص للمشاركة في مسابقات ومعارض ومجتمعات علمية، ثم قياس للتقدم لا يقوم فقط على الدرجات.
والأهم أن تكون هناك مساحة للطالب كي يفشل ويعيد المحاولة.
فالموهبة التي لا تتعلم كيف تواجه الخطأ، وكيف تصبر على المشكلة، وكيف تبحث عن حلول غير جاهزة، قد تبقى قدرة جميلة دون أن تتحول إلى إنجاز.
وهنا تتحول مسؤولية المدرسة من اكتشاف الموهبة إلى صناعة البيئة التي تستطيع الموهبة أن تنمو فيها.
وماذا عن المدرسة كلها؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن الاهتمام بالموهوبين يعني فصلهم عن بقية الطلاب، لكن المسألة أوسع من ذلك.
فالمدرسة التي تتعلم كيف تتعامل مع طالب شديد القدرة، ستتعلم بالضرورة كيف تتعامل مع اختلافات جميع طلابها.
عندما نعيد تصميم الدرس بحيث يسمح بمستويات مختلفة من التحدي، فإننا لا نخدم الموهوب وحده.
وعندما نسمح للطالب باختيار موضوع بحثه، فإننا نفتح الباب أمام أنماط مختلفة من الاهتمامات.
وعندما نستخدم المشروعات، والبحث، وحل المشكلات، والتعلم القائم على الاستقصاء، فإننا ننتقل بالمدرسة كلها من نموذج «الطالب الذي يستقبل» إلى نموذج «الطالب الذي ينتج».
وهنا تصبح الموهبة جزءًا من تطوير المدرسة، لا برنامجًا هامشيًا داخلها.
لكن.. هل الاختيار نفسه يحتاج إلى مراجعة؟
لا يمكن أن نصمم رحلة ما بعد الاختيار بصورة صحيحة إذا لم نراجع أيضًا الطريقة التي نصل بها إلى الاختيار.
فإذا كانت الموهبة مسارًا يتطور مع الزمن، فهل يكفي أن نختبر الطالب مرة واحدة وفي عمر محدد ثم نبني على النتيجة سنوات من القرارات؟
التجارب الحديثة تقول إن المسألة أكثر تعقيدًا.
في سنغافورة مثلًا، أبقت المنظومة الجديدة على اختبار موحد في مرحلة مبكرة، لكنها لم تعد تعتبره نافذة الاختيار الوحيدة؛ إذ أصبح من الممكن اكتشاف الطلاب في مراحل لاحقة، والاستناد إلى ملاحظات المعلمين وأعمال الطلاب، مع الاعتراف بأن بعض القدرات تظهر مبكرًا وأخرى قد تتبلور في وقت لاحق.
وتدعم أبحاث أخرى أهمية توسيع دائرة الكشف. ففي دراسة لـ»ديفيد كارد ولورا جوليانو»، أدى تطبيق الكشف الشامل في إحدى المناطق التعليمية الأمريكية إلى زيادة تمثيل الطلاب من الفئات منخفضة الدخل والأقليات في برامج الموهوبين، دون تغيير معايير الأهلية نفسها، وكشفت الدراسة أن نظام الإحالة التقليدي من المعلمين وأولياء الأمور كان يفوّت طلابًا مؤهلين من بعض الفئات.
وهذا لا يعني إلغاء الاختبارات، بل يعني ألا نجعل اختبارًا واحدًا هو الحكم الوحيد على مستقبل موهبة محتملة.
قد يكون الاختبار أحد المدخلات، لكن إلى جواره يمكن أن توجد ملاحظة المعلم، والأداء في المشروعات، وملف الإنجاز، والمقابلة، والقدرة على حل المشكلات، والاستعداد للتعلم، ثم إعادة النظر في الطالب عبر مراحل زمنية مختلفة.
فالاختيار الجيد لا يبحث فقط عن الطالب الذي يبدو موهوبًا الآن، بل يحاول أن يكتشف أيضًا الطالب الذي يمكن أن يصبح موهوبًا بصورة استثنائية إذا أتيحت له الفرصة المناسبة.
من اكتشاف الموهبة إلى صناعة الأثر
نحن في مرحلة لم يعد فيها السؤال: كم طالبًا اكتشفنا؟
السؤال الأهم هو: كم موهبة استطعنا أن ننمي؟ وكم قدرة تحولت إلى إنجاز؟ وكم إنجازًا تحول إلى أثر؟
وهذا يتسق مع التحول الأوسع الذي تشهده المملكة في بناء قدرات الإنسان. فقد أكد سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أن الاستثمار الأهم في رؤية المملكة 2030 كان ولا يزال في أبناء وبنات الوطن، من خلال تأهيلهم وتطوير أدائهم ورفع كفاءتهم وجعلهم في موقع تنافسي متقدم مع نظرائهم في دول العالم. كما دخلت الرؤية في عام 2026 مرحلتها الثالثة والأخيرة، مع تركيز متجدد على تسريع الإنجاز والاستثمار في قدرات أبناء وبنات المملكة.
ومن هنا فإن قضية الموهبة ليست قضية برنامج تعليمي فحسب، بل قضية وطنية تتصل مباشرة بمستقبل القدرة التنافسية للمملكة.
فالمنافسة العالمية لا تحتاج فقط إلى طالب حصل على درجة عالية، وإنما إلى إنسان يستطيع أن يفكر، ويبتكر، ويبحث، ويحل المشكلات، ويصنع معرفة جديدة، ويحوّل المعرفة إلى قيمة.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام «موهبة» وأمام المدرسة والأسرة والجامعة والمجتمع: ألا يكون هدفنا أن نكتشف الموهوب فقط، بل أن نمنحه الرحلة التي يستحقها بعد اكتشافه.
فالاكتشاف يخبرنا من هو الموهوب.
أما التعليم الحقيقي فيجيب عن السؤال الأصعب:
ماذا يمكن أن يصبح؟
وهنا تحديدًا تبدأ رحلة الموهبة، لا تنتهي.