«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
في جدة، حيث عبر الحجاج والتجار والأفكار والثقافات قرونًا طويلة، يستعد بينالي الفنون الإسلامية 2027 لفتح فصل جديد في قراءة الفن الإسلامي؛ بوصفه ثقافة حيّة تشكلت عبر الرحلة والتبادل الحضاري، وما تزال قادرة على إنتاج أسئلة جديدة في الحاضر.
وأعلنت مؤسسة بينالي الدرعية القائمة الكاملة لفريق القيّمين الفنيين الرئيسيين للدورة الثالثة، المقرر افتتاحها في 1 نوفمبر 2027 في صالة الحجاج الغربية بمطار الملك عبدالعزيز الدولي في جدة، وتستمر حتى 1 مارس 2028.
ويحمل اختيار صالة الحجاج دلالة تتجاوز قيمتها المعمارية؛ فهي الحاصلة على جائزة الآغا خان للعمارة، وارتبطت تاريخيًا باستقبال ملايين الحجاج في طريقهم إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، لتتحول من فضاء للعبور إلى فضاء للتأمل في حضارة تشكلت هي الأخرى عبر الحركة والرحلة واللقاء.
أربعة مسارات.. وإرث لا يُقرأ من نافذة واحدة
يجمع فريق القيّمين الأربعة بين الفن المعاصر والمؤسسات الثقافية، وسوق المقتنيات العالمية، والبحث الأكاديمي، والمتاحف والحفظ والترميم، بما يتيح قراءة الفنون الإسلامية من زوايا متعددة.
ويضم الفريق ندى رضا، مديرة مؤسسة السركال للفنون؛ وويليام روبنسون، الرئيس السابق لقسم الفن الإسلامي والسجاد في دار كريستيز؛ والبروفيسور آلان فؤاد جورج، أستاذ الفن والعمارة الإسلامية في جامعة أكسفورد ومدير معهد لوسيل في الدوحة؛ وإدريس تريفاثان، رئيس القيّمين الفنيين السابق في مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء».
وتعكس هذه التركيبة توجه البينالي إلى تقديم الفنون الإسلامية باعتبارها مجالًا ثقافيًا متجددًا، تشكل عبر السفر والهجرة والتجارة والتفاعل بين المجتمعات، مع الجمع بين البحث المعرفي والممارسة الفنية والثقافية المعاصرة.
ندى رضا.. الفن بوصفه ذاكرة عابرة للحدود
تقود ندى رضا مسارًا يرتبط بالفن المعاصر وأسئلة الهوية والهجرة والتبادل الثقافي، وتركز أبحاثها على العلاقات العابرة للثقافات على امتداد المحيط الهندي، ولا سيما الروابط بين شبه الجزيرة العربية وجنوب آسيا.
وقبل توليها إدارة مؤسسة السركال للفنون، شغلت رضا أدوارًا قيادية، من بينها المديرة الفنية لمؤسسة «إشارة» للفنون في دبي، كما عملت في متحف تيت للفن الحديث ومركز تيت للأبحاث العابرة للحدود في لندن، وأسهمت في تطوير المجموعات الدولية للمؤسسة، مع تركيز على جنوب آسيا.
وترتبط ممارستها بالمعارض المرتبطة بالسياق والموقع، والتكليفات الفنية العامة، وبرامج الإقامة والبحث، والفنون الحية والأداء، كما أكملت الدكتوراه في معهد كورتولد للفنون، مع اهتمام بحركة الصور والأفكار الفنية عبر التاريخ.
ومن هذه الزاوية، تنظر رضا إلى الثقافة الإسلامية باعتبارها شبكة حيّة من السفر والهجرة والتجارة وتبادل الأفكار، لا جزرًا حضارية منفصلة.
ويليام روبنسون.. أربعة عقود في عالم المقتنيات الإسلامية
يأتي ويليام روبنسون من عالم المقتنيات والأسواق الفنية الدولية، بعد مسيرة تجاوزت أربعة عقود في دار كريستيز.
بدأ روبنسون العمل عام 1982 في قسم الفن الإسلامي والسجاد، ثم تولى رئاسته لنحو 25 عامًا، قبل انتقاله إلى أدوار أوسع في المؤسسة. وخلال مسيرته تعامل مع مخطوطات وسجاد وتحف إسلامية نادرة، وأسهم في صفقات بارزة وتحقيق أسعار قياسية لبعض الأعمال.
وبعد مغادرته كريستيز عام 2022، واصل نشاطه مستشارًا وباحثًا مستقلًا ومشاركًا في مشاريع أكاديمية وثقافية متخصصة.
وتتجاوز خبرته جمال القطعة إلى أصلها وسياقها وندرتها وتاريخ اقتنائها ومسارات انتقالها بين المجموعات والمتاحف والأسواق، بما يضيف إلى البينالي منظورًا يقرأ القطعة الإسلامية بوصفها أثرًا يحمل تاريخًا ثقافيًا متحركًا.
آلان فؤاد جورج.. المخطوطة بوصفها نافذة على الحضارة
يمثل البروفيسور آلان فؤاد جورج المسار الأكاديمي في الفريق؛ فهو أستاذ «آي. إم. بي» للفن والعمارة الإسلامية في جامعة أكسفورد، وزميل كلية وولفسون، ومدير معهد لوسيل في الدوحة، كما انتُخب زميلًا في الأكاديمية البريطانية عام 2024.
تركز أبحاثه على الفن والعمارة الإسلامية المبكرة، والخط العربي، والمصاحف المبكرة، والكتب العربية المصورة، والفن الإسلامي في العصر الأموي، وتشمل دراساته الجامع الأموي في دمشق وتطور الثقافة البصرية في بدايات الحضارة الإسلامية.
ولا يتعامل جورج مع المخطوط والعمارة بوصفهما موضوعين جماليّين فحسب، بل يقرأهما بوصفهما نافذة على المجتمع والسلطة والذاكرة والإيمان وطرق رؤية العالم، رابطًا العمل الفني بالبنية الحضارية التي أنتجته.
إدريس تريفاثان.. من حفظ الأثر إلى استعادة قصته
يكمل إدريس تريفاثان الفريق بخبرة تجمع المتحف والبحث والحفظ والترميم والفن الإسلامي، تمتد لأكثر من 15 عامًا في التعامل مع مجموعات الفن الإسلامي في العالم الإسلامي وخارجه.
وارتبط تريفاثان بمركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء» بوصفه أمينًا للفن والثقافة الإسلامية، وأسهم في بناء مجموعته الإسلامية وتطوير معارض كبرى، كما شغل منصب رئيس القيّمين الفنيين السابق في المركز.
وتخصص في حفظ الأعمال الفنية، ونال الدكتوراه في الفن الإسلامي، وأجرى دراسات تقنية وجمالية على ألوان ومواد في مخطوطات وأعمال إسلامية، من بينها مخطوطات القرآن ومكونات معمارية عثمانية وغرف استقبال دمشقية. كما ألّف وحرر كتبًا حول اللون والضوء والفن الإسلامي، والمسجد بوصفه فضاءً للأشياء، والهجرة في أثر النبي.
وتتجاوز رؤيته فكرة حفظ الأثر إلى إعادة وصله بسياقه الإنساني والجغرافي والمجتمعي، بحيث يصبح السؤال: من صنع القطعة؟ ولمن؟ وفي أي مجتمع عاشت؟ وكيف يمكن استعادة سرديتها؟
أربعة مسارات.. ومعرض واحد
بهذا التكوين، يجمع البينالي أربع زوايا لقراءة حضارة واحدة: رضا من الفن المعاصر والحركة العابرة للثقافات، وروبنسون من عالم المقتنيات والسوق الفنية، وجورج من البحث الأكاديمي والتاريخ والعمارة والمخطوطات، وتريفاثان من المتحف والحفظ ودراسة الأشياء الإسلامية.
وسيقدم القيّمون معارض مستقلة تنطلق من رؤى مختلفة، وتتوقف عند التراث غير المادي وقيم الصمود والتكاتف المجتمعي، مع جمع أعمال استثنائية من أبرز مجموعات الفنون الإسلامية حول العالم.
وتبحث الدورة المقبلة في الفنون الإسلامية بوصفها مجالًا متحركًا تشكل عبر السفر والهجرة والتجارة واللقاء بين المجتمعات، واضعةً المقتنيات التاريخية والتكليفات الفنية المعاصرة في حوار مع قضايا المجتمعات الإنسانية وتطلعاتها اليوم.
بينالي الفنون الإسلامية.. الماضي في حوار مع الحاضر
يشكل بينالي الفنون الإسلامية أول بينالي في العالم مخصصًا بالكامل لاستعراض فنون الحضارة الإسلامية بماضيها وحاضرها، جامعًا بين الكنوز التاريخية والتكليفات الفنية المعاصرة.
ومن هذا المنطلق، أطلقت المؤسسة عددًا من المبادرات، من بينها جائزة المصلى التي تتيح تصورات معمارية جديدة لمساحات الصلاة، و«المدار»، المنصة التعاونية التي تجمع المؤسسات والمتاحف والمشاركين المحليين والدوليين ممن يمتلكون مجموعات فنية إسلامية.
ويواصل «المدار» في دورة 2027 توسيع شراكاته مع المؤسسات والمتاحف والأفراد المعنيين بالفنون والثقافات الإسلامية في المملكة والعالم، مع إطلاق منصة أرشيفية رقمية وبرامج موسعة داخل المملكة ولدى المؤسسات الشريكة عالميًا، بما يدعم بناء شبكة دولية مستدامة للمعرفة وتبادل الخبرات.
جدة.. حين يصبح المكان جزءًا من الفكرة
في دورة 2027، لا تبدو جدة مجرد خلفية للبينالي؛ فصالة الحجاج الغربية، التي صُممت لتكون محطة عبور إلى الأراضي المقدسة، ستستقبل أعمالًا تبحث في ثقافة تشكلت هي الأخرى عبر العبور والرحلة واللقاء.
وستشهد الدورة أعمالًا فنية معاصرة جديدة بتكليف من مؤسسة بينالي الدرعية، تمتد في المساحات الخارجية تحت مظلات صالة الحجاج الغربية، إلى جانب التصميم الفائز بالدورة الثانية من جائزة المصلى، وبرامج ثقافية مخصصة للزوار.
وهكذا يصبح المكان جزءًا من فكرة البينالي نفسها: مدينة استقبلت العابرين من أنحاء العالم الإسلامي، تستضيف اليوم معرضًا يعيد قراءة الحضارة التي جمعتهم، لا بوصفها ماضيًا مغلقًا، بل إرثًا لا يزال يتشكل ويتحاور وينتج معاني جديدة.
الطوق: فنون الحضارة الإسلامية مجال حي ومتجدد
وقال راكان الطوق، مساعد وزير الثقافة ونائب رئيس مجلس أمناء مؤسسة بينالي الدرعية، إن بينالي الفنون الإسلامية ينطلق من قناعة بأن فنون الحضارة الإسلامية ليست فصلًا من الماضي، بل مجال حي ومتجدد يواصل التطور وإنتاج رؤى جديدة.
وأوضح أن الدورة الثالثة تجمع أربعة قيّمين متعددي التخصصات، تشمل خبراتهم العمل في دور المزادات والجامعات والمتاحف والمؤسسات الفنية العريقة، إلى جانب خبراتهم السابقة في بينالي الفنون الإسلامية، مشيرًا إلى أن تنوعها سيسهم في تقديم دورة ثالثة تحتفي بثراء الثقافة الإسلامية وتنوعها.
وأشار إلى أن مبادرة «المدار» ستسهم كذلك في توسيع وتعميق الحوار حول هذه الثقافة مع مؤسسات من مختلف أنحاء العالم.
آية البكري:
فريق القيّمين يجسد تنوع الفنون الإسلامية
من جانبها، قالت آية البكري، الرئيس التنفيذي لمؤسسة بينالي الدرعية، إن فريق القيّمين الفنيين يجسد تنوع الفنون الإسلامية وثراءها، وما تحمله من امتدادات تاريخية وحضور متجدد في المشهد الثقافي المعاصر.
وأضافت أن ملامح الدورة تتشكل تحت إشراف هذه الخبرات، مع التطلع إلى استقبال الزوار من المملكة ومختلف أنحاء العالم لاستكشاف المعرض.
إرث لا يتوقف عن الحركة
بهذه التركيبة، يدخل بينالي الفنون الإسلامية دورته الثالثة بأربع زوايا نظر ومسار حضاري واحد يتسع للمخطوط والعمارة، والمتحف والسوق، والفن المعاصر والبحث الأكاديمي؛ إرث لم يتوقف عن الحركة، ولذلك لا يتوقف عن إنتاج معنى جديد.
وينظم بينالي الفنون الإسلامية مؤسسة بينالي الدرعية، وهي مؤسسة غير ربحية تأسست عام 2020 لدعم التعبير الإبداعي وتعزيز مكانة الثقافة والفنون في المملكة. كما تنظم المؤسسة بينالي الدرعية للفن المعاصر بالتناوب مع بينالي الفنون الإسلامية، وتشرف على تطوير وإدارة حي جاكس، المنطقة الإبداعية ذات الإرث الصناعي في الدرعية بمدينة الرياض.