سعدون مطلق السوارج
هناك إنجازات تُقاس بما تحققه، وإنجازات أخرى تُقاس بما تغيّره في نظرة العالم إلى الدولة التي حققتها.
والجائزة التي منحتها الأمم المتحدة للمملكة العربية السعودية بوصف برنامجها الوطني للتشجير نموذجًا عالميًا رائدًا لإصلاح الأراضي، ليست شهادةً على عدد الأشجار التي زُرعت فحسب؛ إنها شهادة على انتقال المملكة من التعامل مع التصحر بوصفه تحديًا بيئيًا إلى التعامل معه بوصفه قضية دولة، ومستقبل وطن، ومسؤولية أجيال.
في 26 أغسطس 2026، وخلال مؤتمر الأطراف السابع عشر لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر «COP17» في منغوليا، أعلنت الأمم المتحدة اختيار البرنامج الوطني للتشجير السعودي ضمن «النماذج العالمية الرائدة لإصلاح النظم الإيكولوجية». وبحلول يونيو 2026، كان البرنامج قد أدخل نحو مليون هكتار من الأراضي المتدهورة في مسار الاستعادة، وزرع 159 مليون شجرة. ولم تكن الاستعادة مجرد غرس؛ بل شملت إعادة التشجير، والتجدد الطبيعي، وتنظيم الرعي، وإعادة أنواع من الحياة الفطرية المحلية، وحصاد مياه الأمطار، واستخدام المياه المعالجة في البيئات الشحيحة بالمياه.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فالسعودية لم تزرع الأشجار في الصحراء فقط؛ بل أعادت تعريف علاقة الدولة بالصحراء.
فالجزيرة العربية التي عرفها الإنسان منذ القدم لم تكن أرضًا بلا حياة كما قد توحي بعض الصور النمطية عنها؛ كانت فيها مراعي ومواطن نباتية وأودية وموارد مائية وموائل للحيوان، وكان الإنسان يعرف قيمة الشجر والماء والمرعى، ويعرف أن بقاء المجتمع مرتبط بحسن إدارة ما تمنحه الأرض.
واليوم، تعود تلك الحقيقة التاريخية في صورة حديثة أكثر تنظيمًا: مؤسسات متخصصة، تشريعات، رقابة، بيانات، تقنيات، استزراع للأنواع المحلية، إدارة للمراعي والغابات، وحماية للمتنزهات الوطنية، وإعادة تأهيل للأراضي المتدهورة.
الماضي هنا لا يقف في مواجهة المستقبل؛ بل يمدّه بجذوره.
ولم يكن هذا التحول وليد لحظة الجائزة. فقد تأسس المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر ليكون أحد الأذرع المؤسسية الرئيسية في هذا المسار، وأصبح العمل على حماية الغطاء النباتي وتنميته، وتأهيل الأراضي المتدهورة، وحوكمة المراعي، ومكافحة الاحتطاب والتعديات، وإدارة الغابات والمتنزهات الوطنية، جزءًا من منظومة وطنية متكاملة.
ثم جاءت رؤية السعودية 2030 لتمنح هذا المسار معناه الاستراتيجي الأوسع.
فالرؤية لم تنظر إلى البيئة باعتبارها ملفًا منفصلًا عن التنمية، وإنما ربطت جودة الحياة والاستدامة وحماية الموارد الطبيعية بمشروع التحول الوطني كله. ومن هذا التصور جاءت «مبادرة السعودية الخضراء»، و«مبادرة الشرق الأوسط الأخضر»، والبرنامج الوطني للتشجير، ضمن طموح تاريخي يستهدف في مداه البعيد زراعة 10 مليارات شجرة واستعادة نحو 40 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة.
وهنا تتضح الفلسفة السعودية في صورتها الأعمق:
ليست الغاية أن تصبح المملكة أكثر خضرة فقط؛ بل أن تصبح أكثر قدرة على حماية مواردها، وأكثر صمودًا أمام تغير المناخ، وأكثر جودةً في الحياة، وأكثر استدامةً في التنمية.
واللافت أن البرنامج لا يعتمد على نموذج واحد في جميع أنحاء المملكة. فالأنواع النباتية المحلية تُستخدم بحسب طبيعة البيئة، وتتنوع مصادر المياه المستخدمة، من مياه الأمطار والمياه المعالجة إلى مياه البحر في مشروعات غابات المانجروف، فيما تمتد الأعمال عبر مناطق المملكة الثلاث عشرة. وهذا يعني أن المملكة لا تحاول فرض صورة واحدة للخضرة على بيئات مختلفة، وإنما تبحث عن الخضرة التي تناسب المكان وتحافظ على توازنه الطبيعي.
وهذا تحديدًا ما يرفع قيمة التجربة.
فاستعادة الأرض ليست أن تضع شتلة في التراب ثم تنصرف؛ إنها أن تجعل الأرض قادرة على استعادة حياتها.
ولهذا تتجاوز التجربة السعودية مفهوم «التشجير» إلى مفهوم إصلاح النظم البيئية؛ فتعود النباتات المحلية، وتُدار المراعي بصورة أكثر استدامة، وتُحمى المواطن الطبيعية، وتُعاد بعض الأنواع الفطرية، ويُنظر إلى الماء باعتباره موردًا يجب إدارته بدقة لا موردًا يمكن استنزافه. وقد أشارت الأمم المتحدة إلى أن تجربة المملكة تجمع بين هذه الأدوات في نموذج ملائم لبيئة تواجه الجفاف والتصحر وتغير المناخ.
ومن الخطأ أن تُقرأ هذه القصة باعتبارها قصة مؤسسات حكومية فقط.
فالدولة تستطيع أن تصدر النظام، وتضع الخطة، وتوفر الموارد، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحرس كل شجرة، ولا أن تمنع كل اعتداء على الغطاء النباتي، ولا أن تصنع تحولًا بيئيًا مستدامًا من دون مجتمع يؤمن بالفكرة.
وهنا ظهر عنصر آخر شديد الأهمية في التجربة السعودية: الوعي.
لقد أصبح المواطن والمقيم جزءًا من المعادلة البيئية؛ من خلال حملات التشجير والتطوع، وحماية المراعي، ومكافحة الاحتطاب، والمحافظة على الأشجار، واحترام الأنظمة، والمشاركة في إعادة تأهيل المواقع. كما يعمل المركز على إشراك القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية في تنفيذ البرنامج، بما يحول التشجير من نشاط موسمي إلى ثقافة وطنية مشتركة.
وهذه ربما أهم شجرة في المشروع كله: شجرة الوعي.
لأن الشجرة التي يزرعها مشروع حكومي يمكن أن تُروى بالماء، أما الشجرة التي تحميها ثقافة المجتمع فإنها تستطيع أن تعيش بعد انتهاء المشروع.
ومن هنا فإن الجائزة الأممية لا تقرأ فقط في أرقام الإنجاز؛ بل في قدرة المملكة على بناء منظومة تشترك فيها الدولة والمجتمع والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي، وتعمل فيها المؤسسات المتخصصة جنبًا إلى جنب مع التشريعات والرقابة والتقنية.
والمملكة لا تتعامل مع هذا المسار بمنطق الاكتفاء بما تحقق. فالمركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي يضع أهدافًا ممتدة زمنيًا؛ إذ تشير أهداف البرنامج الوطني للتشجير إلى 400 مليون شجرة بحلول 2030، و4.7 مليارات بحلول 2060، و10 مليارات بحلول 2100.
أي أن المسألة ليست حملة تنتهي بانتهاء موسم، ولا مشروعًا ينتهي عند رقم؛ إنها مشروع أجيال.
وهنا تكمن قوة رؤية 2030: أنها لا تقدم المستقبل باعتباره موعدًا على التقويم، بل باعتباره عملية تراكمية تبدأ اليوم وتستمر بعد الغد.
فحين تُستعاد أرض متدهورة اليوم، فإن المستفيد قد يكون طفلًا لم يولد بعد.
وحين تُحمى شجرة محلية اليوم، فإن ظلها قد يكون نصيب جيل لم يأتِ بعد.
وحين يُعاد حيوان بري إلى موطنه الطبيعي، فإن المملكة لا تستعيد نوعًا من الحياة الفطرية فقط، وإنما تستعيد جزءًا من التوازن الذي عرفته هذه الأرض قبل أن تفرض عليها التحولات البيئية والإنسانية أثمانها.
ذلك هو معنى الاستدامة حين تتحول من كلمة في التقارير إلى أثر يمكن أن تراه العين.
والأهم من ذلك أن السعودية لا تعمل بمعزل عن محيطها. فمبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» تنقل التجربة من الإطار الوطني إلى أفق إقليمي أوسع، بينما أسهمت المملكة في الدفع بقضية الحد من تدهور الأراضي عالميًا، بما يعكس تحولها من دولة تواجه التحديات البيئية داخل حدودها إلى دولة تشارك في صياغة الحلول على المستوى الدولي.
ومن هنا تصبح جائزة الأمم المتحدة ذات دلالة أكبر.
فالعالم لم يمنح المملكة جائزة لأنها قالت إنها تريد أن تصبح خضراء؛ بل لأن هناك أرضًا بدأت تستعيد عافيتها، وأرقامًا تتراكم، ومؤسسات تعمل، ومجتمعًا يشارك، ورؤيةً سياسية وضعت الاستدامة داخل مشروع الدولة.
وهذه هي المسافة الفاصلة بين الأمنيات والإنجاز.
الأمم لا تُقاس فقط بما تبنيه من مدن وموانئ وطرق ومشروعات عملاقة؛ بل بما تفعله بالأرض التي تحمل كل ذلك.
لقد أثبتت المملكة أن الصحراء ليست نهاية الحكاية.
قد تكون بدايتها.
وإذا كان التاريخ قد حفظ للأجداد قدرتهم على التكيف مع أرض قاسية، فإن الحاضر يحفظ للمملكة قدرتها على تحويل تلك الأرض نفسها إلى ميدان للابتكار والاستدامة واستعادة الحياة.
ومن هنا، فإن الشجرة السعودية الجديدة ليست مجرد شجرة.
إنها علامة على دولةٍ قررت أن تقرأ جغرافيتها بعين المستقبل، وأن تجعل من التحدي البيئي مشروعًا وطنيًا، ومن رؤية 2030 طريقًا لاختبار الأفكار بالأثر، ومن المواطن شريكًا في حماية ما تصنعه الدولة.
وحين تقول الأمم المتحدة إن التجربة السعودية نموذج عالمي لإصلاح الأراضي، فإنها في الحقيقة تقول شيئًا أبعد من ذلك: إن دولةً وُلدت في قلب الصحراء استطاعت أن تجعل من مواجهة التصحر أحد عناوين نهضتها.
وفي يومٍ ما، حين تُكتب سيرة هذه المرحلة في كتب التاريخ، قد لا يكون السؤال: كم شجرة زُرعت؟
بل سيكون السؤال: متى بدأت السعودية تستعيد أرضها؟
والجواب لن يكون تاريخًا واحدًا.
سيكون مسارًا طويلًا بدأ حين تحولت حماية الأرض من مسؤولية جهة إلى عقيدة عمل وطنية، وحين أصبح التشجير مشروع دولة، والوعي مسؤولية مجتمع، والاستدامة جزءًا من الرؤية.
عندها فقط نفهم
المعنى الحقيقي للجائزة:
لم تُكرَّم السعودية لأنها زرعت شجرة في الصحراء؛ بل لأنها أثبتت للعالم أن الصحراء نفسها يمكن أن تصبح صفحةً جديدةً في كتاب التنمية.
** **
- باحث ومؤرخ في التراث الكويتي والخليجي