خالد الأنصاري
تمضي المملكة العربية السعودية في خدمة ضيوف الرحمن برؤيةٍ طموحة، وعملٍ مؤسسي متكامل، يستمد شرفه من قداسة المكان وعظمة الرسالة؛ فخدمة الحاج ليست موسمًا عابرًا، بل أمانةٌ دينية، ورسالةٌ وطنية، ومسيرةٌ متجددة من التخطيط والتطوير والابتكار.
وفي امتدادٍ لهذه العناية الكريمة، وتحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود –حفظه الله– تنظم وزارة الحج والعمرة، بالتعاون مع برنامج خدمة ضيوف الرحمن، أحد برامج رؤية السعودية 2030، النسخة السادسة من «مؤتمر ومعرض الحج» خلال الفترة من 28 جمادى الأولى إلى غرة جمادى الآخرة 1448هـ، الموافق من 8 إلى 11 نوفمبر 2026م، في مدينة جدة.
ولا يمثل هذا المؤتمر مجرد ملتقى موسمي، بل يُعد منصةً عالمية تتلاقى فيها الخبرات، وتتكامل من خلالها الجهود، وتُبنى فيها الشراكات؛ من أجل الارتقاء بمنظومة خدمات الحج، وتطوير رحلة ضيف الرحمن منذ عزمه على القدوم، حتى عودته إلى وطنه سالمًا غانمًا، حاملًا ذكرى إيمانية ثرية وتجربةً تنظيمية متميزة.
وتأتي هذه النسخة ضمن الاستعداد المبكر لموسم حج عام 1448هـ؛ إذ تجمع أكثر من 520 جهة من القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية، إلى جانب القيادات وصنّاع القرار والمختصين؛ من داخل المملكة وخارجها؛ لاستكمال التعاقدات، ومناقشة الخطط التشغيلية والتنظيمية، واستعراض الحلول والمبادرات المبتكرة، ورفع مستوى الجاهزية والتكامل بين مختلف الجهات ذات العلاقة. وتتوزع أعمال المؤتمر على ثلاثة مسارات رئيسة، تتناول مختلف جوانب منظومة الحج.
أولها: مسار البنية التحتية والخدمات التشغيلية، ويشمل النقل والخدمات اللوجستية، وإدارة المرافق، والإسكان والضيافة، والإعاشة والتغذية.
وثانيها: مسار التمكين والتكامل، ويتناول الأمن والسلامة، والرعاية الصحية، والإعلام والتواصل، والتقنية والابتكار.
أما المسار الثالث: فهو التنمية المستدامة، ويشمل إسهام القطاع الثالث، وريادة الأعمال، والتدريب والتأهيل، وإثراء تجربة ضيوف الرحمن.
وهذه المسارات تكشف عن شمولية الرؤية التي تنظر إلى الحج بوصفه منظومة مترابطة، لا تنفصل فيها الخدمات الميدانية عن التقنية الحديثة، ولا الأمن والسلامة عن الرعاية الصحية، ولا جودة الأداء عن التدريب والتأهيل؛ فكل عنصر في هذه المنظومة يسهم في صناعة رحلةٍ إيمانية آمنة وميسرة.
وإلى جانب البرنامج العلمي والمعرفي، يقام معرض متخصص في خدمات الحج على مساحة تتجاوز 67 ألف متر مربع، بمشاركة جهات ومقدمي خدمات وحلول من أكثر من 150 دولة.
ويضم المعرض مجتمعات متخصصة تجمع القيادات، ومكاتب شؤون الحجاج، ومقدمي الخدمات، وممثلي قطاعات الطيران والنقل والضيافة والصحة والبنية التحتية والتقنية والابتكار والقوى العاملة والاستثمار وتطوير الأعمال. وتتجسد حيوية المؤتمر والمعرض في تنوع فعالياتهما بين الجلسات الحوارية، والملتقيات المتخصصة، وورش العمل، والطاولات المستديرة، واجتماعات الأعمال، ومنصات إطلاق المبادرات وتوقيع الاتفاقيات وعرض الحلول والابتكارات؛ بما يحول الأفكار إلى مشروعات، والخبرات إلى ممارسات، والشراكات إلى خدمات ملموسة ينعم بها ضيوف الرحمن.
وقد حققت النسخة السابقة حضورًا لافتًا؛ إذ استقطبت أكثر من 204 آلاف زائر، وشارك فيها 270 عارضًا من أكثر من 150 دولة، واشتملت على 134 جلسة وورشة عمل متخصصة، كما استفاد من برامجها التدريبية أكثر من 2600 متدرب من مختلف دول العالم.
وهذه الأرقام لا تعبّر عن حجم الحدث فقط، بل تدل على مكانته الدولية، وأثره المتنامي في تطوير صناعة خدمات الحج وتبادل التجارب والخبرات.
إن مؤتمر ومعرض الحج صورةٌ من صور العناية السعودية المتواصلة بالحرمين الشريفين وقاصديهما، وشاهدٌ على انتقال خدمة ضيوف الرحمن؛ من الجهود الموسمية إلى منظومة مؤسسية مستدامة، تقوم على التخطيط المبكر، والتكامل بين القطاعات، وتسخير التقنية والابتكار، واستشراف المستقبل؛ تحقيقًا لتطلعات القيادة الرشيدة ومستهدفات رؤية السعودية 2030.
وتبقى المملكة، قيادةً وشعبًا، معتزةً بهذه الرسالة العظيمة، مستنفرةً طاقاتها وإمكاناتها؛ ليؤدي الحجاج مناسكهم في أمنٍ وطمأنينة ويسر، وتظل خدمة ضيوف الرحمن شرفًا تتوارثه الأجيال، ومسؤوليةً تُبذل في سبيلها أرفع الجهود وأفضل الخبرات.
إضاءة
مؤتمر ومعرض الحج ليس معرضًا للخدمات فقط، بل نافذةٌ عالمية تعرض من خلالها المملكة رسالتها الخالدة: خدمة ضيوف الرحمن شرفٌ عظيم، وإتقانها عهدٌ متجدد، والارتقاء بها طموحٌ لا يتوقف.