نواف بن خالد الرتيق
شَهِد الوسط الإعلامي في السنوات الأخيرة طفرةً غير مسبوقة في ظاهرة «البودكاست». تحول هذا الوسيط الرقمي من نافذةٍ حرةٍ تقدم محتوىً مركزاً وعميقاً، إلى «موضة» شائعة استقطبت الجميع.
الكاميرات هي الكاميرات، الخلفية المظلمة ذات الإضاءة الخافتة هي ذاتها، الضيوف ينتقلون من برنامج إلى آخر بنفس السترة ونفس الآراء، حتى تخيل المتابع أن هناك «كتالوجاً» موحداً يُوزع على كل من يقرر الجلوس مقدماً ومذيعاً خلف المايكروفون والكاميرا! وغدا المشهد أشبه باستنساخ لا ينتهي.
أقول ذلك إذا ما استثنينا -بعضاً- من برامج البودكاست ومقدميها أصحاب الكاريزما الذين تميزوا في هذا المجال.
إن الأزمة اليوم لا تكمن في نقد الجمهور لهذه الوسيلة الإعلامية الفتيّة؛ فالجمهور لم يملّ من الاستماع، بل مَلّ من «التشابه». حتى وصلنا إلى مرحلة من «التشبع الشكلي».
يتكرر السؤال، وتتكرر الإجابة، وتُعاد صياغة الأفكار ذاتها بروح مختلفة شكلياً. فصار الوصول إلى أرقام المشاهدات العالية معركة شرسة، ليس لقلة المتابعين، بل للتشتت الكبير وسط هذا الزخم.
اليوم نقف على عتبة من آخر مراحل هذا التزاحم. لأن المرحلة القادمة في صناعة المحتوى لن تكسبها الاستديوهات الأكثر تجهيزاً ولا الأسماء الأكثر تكراراً، بل سيكسبها «صُنّاع الاختلاف». أولئك الذين يملكون شجاعة الخروج من قالب «المحاور والضيف»، ويبحثون عن الفكرة الأصيلة، والزاوية الغائبة، والمضمون الذي يحترم عقل المشاهد لا الذي يغازل خوارزميات «الترند» المؤقت.
واليوم نجد قلة ممن يملك شجاعة الخروج من هذا القالب التقليدي، ليقدم شيء مختلف ورؤية تحترم عقل المشاهد وتضيف إلى حصيلته. فالأفكار العظيمة لا تحتاج للتكرار ليسمعها الناس، بل تحتاج للابتكار ولتقديم مواضيع جديدة، وطرح متميز يُعيد للجمهور اتجاهاته وشغف المتابعة.
إن الإعلام الواعي لا يُبنى بالتكرار والتقليد وركوب الموجة، بل بالهوية الفريدة التي تجعل الصوت يستحق أن يُسمع.. لا أن يُشاهد لمجرد المشاهدة فقط.