.. وفي السياق نفسه، أجريت دراسة حول أثر الذكاء الاصطناعي على التعلم (Str?mbergy et al., 2026) استمرت أكثر من سنتين وشملت (26,811) طالبًا صينيًا في الصفوف من السابع إلى الثاني عشر، وهدفت إلى معرفة تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي في إنتاجية أداء الواجبات المنزلية والتعلّم. وقد تنوعت البيانات بين الاختبارات الشهرية التي تُجرى دون الرجوع إلى الكتب، واختبارات القبول في المدارس الثانوية والجامعات، ودرجات الواجبات المنزلية ووقت إنجازها في تسع مواد دراسية. وأبرزت نتائج الدراسة أن الذكاء الاصطناعي حسّنَ أداء الطلاب في الواجبات، لكنه ارتبط بتراجع أدائهم في الاختبارات التي تتطلب منهم الاعتماد على معرفتهم ومهاراتهم دون مساعدة الذكاء الاصطناعي، فقد ارتفعت درجات أداء الواجبات بنسبة (18 %)، وانخفض زمن إنجاز الواجبات (30 %)، ولكن انخفضت درجة الاختبارات المباشرة أو المغلقة بنسبة (20 %)، كما انخفضت اختبارات القبول للمرحلة الثانوية والجامعية بنسبة ( 18%) و(24 %) على التوالي. كما بينت دراسات آخرى (Chen, X, 2026, Zhu, Q., Li, X., et al., 2026)، أن الذكاء الاصطناعي قد يُحَسّن الأداء دون أن ينمي القدرة المستقلة على التفكير.
فجوة الذكاء الاصطناعي المعكوسة (Flipped AI divide):
في الوقت الذي يُتَوَقع فيه أن يكون الذكاء الاصطناعي بوابة توفير الفرص العادلة بين المتعلمين، نظرًا لإمكاناته العديدة، إلا أن المخاوف تكمن في مفارقة آخرى كما تشير بياتريز موتينيو، وهي أن « الطلاب الأكثر ثراءً سيكونون قادرين على الوصول إلى الدعم البشري في عملية التعلم، بينما يصبح الطلاب من ذوي الدخل المنخفض أكثر اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي وحده. وهذا يقلب الرواية المتفائلة التي ترى في الذكاء الاصطناعي أداةً لتحقيق تكافؤ الفرص».
نمطا استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي:
أشارت نتائج دراسة ستروبيرجي وآخرون (Str?mbergy et al., 2026) أيضا إلى وجود نمطين مختلفين لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي من قبل المتعلمين في عينة الدراسة؛ الأول هو استخدام الذكاء الاصطناعي كبديل للتفكير (AI as a substitute) الذي يختصر الجهد المعرفي، أي أن الطالب لم يخض العملية المعرفية (التعلم) المطلوبة لحل المشكلة بنفسه، فالطالب يوجّه السؤال والذكاء الاصطناعي يوفر الإجابة؛ أما الثاني فكان نمط استخدام الذكاء الاصطناعي كداعم للتفكير (AI as a cognitive support)، وفيه يحاول الطالب حل المشكلة ويستعين بالذكاء الاصطناعي للتفسير، ثم يحاول مرة آخرى لحل المشكلة، ما يعني أنه يمارس عملية تعلم نشطة. آخيرًا، بينت النتائج أيضا انخفاض التعلّم بين حوالي (80%) من المتعلمين الذين فوظوا أداء الواجبات للذكاء الاصطناعي؛، كما يتضح من الجمع بين الوقت القصير جدًا لإنجاز الواجبات والدرجات المرتفعة فيها. أما مستخدمو الذكاء الاصطناعي الذين حافظوا على وقت إنجاز للواجبات مشابه لوقت غير المستخدمين للذكاء الاصطناعي، فقد انخفض تعلمهم بدرجة محدودة. وهذا يشير إلى أن العامل الحاسم هو كيفية استخدام الطلاب للتقنية، فالطلاب الذين حافظوا على قوة أدائهم في الاختبارات لم يكونوا ببساطة ينسخون الإجابات ويلصقونها لتوفير الوقت؛ بل يُرجّح أنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي باعتباره معلّمًا شخصيًا لشرح المفاهيم الصعبة أو للمساعدة في حل مسائل محددة.
ومن ناحية آخرى، حذر علماء النفس في تقرير جديد صادر عن الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أن «مشاركة الطلاب في التطبيقات التقنية لا تعني التعلم»، ولا ينبغي خلط أو مساواة هذه المشاركة بفوائد التعلم، وأن الاختبار الحقيقي للتعلم يحدث بعد إغلاق التطبيق، فقد ينجز الطلاب أداءً جيدًا أثناء استخدام التقنية، لكنهم قد يفشلون في الاحتفاظ بما تعلموه أو تطبيقه في أماكن أخرى (Langreo, 2026).
بإيجاز، أود التأكيد على الأفكار المهمة الواردة في هذا المقال على النحو التالي:
* الذكاء الاصطناعي يحسّن الأداء، لكنه لا يضمن التعلّم: قد ينجز الطالب المهمة بشكل أفضل وأسرع باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكن تحسّن النتيجة لا يعني بالضرورة أنه اكتسب المعرفة أو المهارة، هنا تبرز ظاهرة الفجوة بين الأداء والتعلّم.(Performance-Learning Gap)
* خطر الكسل ما وراء المعرفي أو الاستسلام المعرفي: عندما يقدم الذكاء الاصطناعي إجابات سلسة ومقنعة، قد يتوقف الطالب عن مراقبة تفكيره والتحقق من المعلومات، ويصبح الطالب أكثر ميلاً إلى قبول الإجابة دون أن يبذل جهدًا في تحليلها وتقييمها.
* المشكلة ليست في استخدام الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في طريقة استخدامه: الاستخدام الذي يجعل الذكاء الاصطناعي يؤدي المهمة نيابةً عن الطالب قد يضعف التعلم، أما استخدامه بعد أن يطور الطالب فهمه ومهاراته الأساسية، فقد يؤدي إلى ذكاء هجين: (تعاون حقيقي بين الإنسان والذكاء الاصطناعي.(Human-AI Synergy
* التوقيت مهم جدًا: تشير التجربة التي عرضها غاشيفيتش، إلى أن الطلاب الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي منذ البداية لم يحققوا بالضرورة استفادة تعليمية أفضل، بينما استفاد أكثر الطلاب الذين طوروا مهاراتهم في الاستدلال أولًا ثم استخدموا الذكاء الاصطناعي.
* قد يستبدل الذكاء الاصطناعي عملية التعلم بدل أن يدعمها: يفترض التعليم الجيد أن يقدم للطالب دعمًا تدريجيًا، يساعده على الانتقال من مستوى لا يستطيع فعله إلا بمساعدة إلى مستوى يستطيع القيام به بشكل مستقل؛ لكن تكمن المشكلة في أن الذكاء الاصطناعي قد يقفز مباشرة إلى الإجابة النهائية، وبالتالي يتجاوز عملية التعلم نفسها، ما يعني فقدان الدعم المطلوب، لأنه عندما تكون إجابة الذكاء الاصطناعي أكثر تعقيدًا من قدرة الطالب على فهمها، لا تعمل كداعم، بل تصبح بديلًا عن تفكير الطالب.
* الخطر الأكبر هو أن يستبدل الإنسان نفسه بنفسه: الفكرة الأعمق ليست فقط أن الذكاء الاصطناعي قد يستبدل الشباب في سوق العمل، بل أن الشباب قد يبدأون، قبل حدوث ذلك، في التخلي طوعًا عن مهاراتهم وقدراتهم العقلية للذكاء الاصطناعي.
* السؤال الجوهري للمستقبل: إذا أصبحت الآلة تقوم بالتفكير والكتابة والتحليل واتخاذ القرارات بدلًا عن الإنسان، فما الذي يبقى للإنسان ليتعلمه أو يتقنه؟ لذلك لا ينبغي أن يكون الهدف من الذكاء الاصطناعي هو جعل الطلاب يؤدون المهام بشكل أفضل فقط، بل أن يساعدهم على أن يصبحوا أكثر قدرة على التفكير والتعلم والاستقلالية. بإيجاز، يكمن الخطر الحقيقي للذكاء الاصطناعي في التعليم ليس في أن يحل محل الإنسان، بل أن يجعل الإنسان يتخلى تدريجيًا عن التفكير والتعلّم لصالحه، فيصبح أداؤه أفضل بينما تصبح قدرته الذاتية على الفهم والتفكير أضعف.
خلاصة:
تشير الأدلة، رغم محدوديتها حتى الآن، إلى اتجاه واضح هو: يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز إنتاجية التعلّم، ولكن فقط لدى أولئك الذين يستخدمون هذه التقنية بذكاء. ويتعين على الطلاب مقاومة إغراء اللجوء إلى إجابة مولّدة بالذكاء الاصطناعي قبل أن يفكروا في الأمر بأنفسهم ويستنفدوا محاولاتهم الذاتية في التفكير (The Economist, 2026). آخيرًا، إن النتيجة المحورية التي توصل إليها تقرير مؤتمر آفاق التعليم الرقمي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD, 2026)، جاءت صريحة ومباشرة: «تعمل أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي ذات الاستخدامات العامة بصورة موثوقة على تحسين الأداء في المهام على المدى القصير، لكنها لا تؤدي بالضرورة إلى تحقيق مكاسب حقيقية في التعلّم»(Reda, 2026).
تدخلات مقترحة: آخيرًا، كيف يمكن حفّز الطلاب على الاستخدام المقبول والمسؤول للذكاء الاصطناعي، وتشجيعهم على استخدامه كمعلم خاص (Tutor) وداعم للتعلم، بدلًا من استخدامه للحصول على إجابات جاهزة ومباشرة لمشكلات التعلم؟ تقترح بعض الأدبيات ذات العلاقة (اليونسكو، 2022 (Str?mberg et al., 2026, OECD, 2026, التدخلات التالية لمعالجة مشكلة تفويض الطالب مهمة التعلم للذكاء الاصطناعي:
* توفير معلومات موثوقة للطلاب حول تكلفة الأثر السلبي لاستخدام الذكاء الاصطناعي كبديل لعملية التعلم على تنمية المهارات والمعرفة لديهم بهدف تغيير سلوكهم، وتشجيعهم على استخدامه كداعم للتعلم وليس بديلأً عنه.
* توجيه الطالب بأن يطلب من الذكاء الاصطناعي تقديم تلميحات وليس حلولًا جاهزة؛ مثلًا: أن يُصاغ الأمر(Prompt) هكذا: «أسألني سؤالًا يقودني للحل»؛ أو «أعطني تلميحًا واحدًا بدل حل المسألة».
* توجيه الطلاب لاستخدام الذكاء الاصطناعي كمحاور يطرح أسئلة، ويكشف الثغرات في الاستدلال، ويطلب من المتعلم تبرير إجابته بدل تقديم الإجابة النهائية.
* تحميل الطالب مسؤولية التحقق من المعلومات بحيث لا تُقبل إجابة الذكاء الاصطناعي إلا بعد أن يتحقق الطالب من الأدلة والمصادر ويحدد ما هو صحيح أو مشكوك فيه.
* توعية الطلاب بأخطاء الذكاء الاصطناعي مثل التحيزات، والهلوسة، والتملق، ومن ثم ضرورة التحقق من المعلومات؛ فهذه ينبغي أن تكون جزءًا من كفايات المتعلم الأساسية.
* الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد المراجع التي حصل منها الذكاء الاصطناعي على المعلومات، ومراجعة الطالب لها للتحقق من دقتها وصحتها.
* العمل على زيادة الوزن النسبي للاختبارات الحضورية التي تُجرى دون الاستعانة بالكتاب أو المراجع بهدف استعادة الصلة بين الجهد الذي يبذله الطالب وبين مكافأة النجاح.
* مراقبة الآباء والمعلمين للوقت الذي يقضيه الطالب في أداء الواجبات والجهد المبذول في الدراسة، بدلًا من مراقبة المخرجات فقط، مثل درجات الواجبات المنزلية.
* تصميم مهام لا يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجازها نيابة عن الطالب بسهولة: مثل الدفاع الشفهي عن الحل، وتفسير الاختيارات، وربط المفهوم بسياق محلي، أو مقارنة إجابتين وتبرير الاختيار.
مراجع:
اليونسكو (2022). التوصية الخاصة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي. https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf00003 80455_ara
Chen, X. (2026). Layer-sensitive cognitive offloading in generative AI-assisted writing: Supported performance and independent no-AI outcomes. Frontiers in Psychology. https://www.frontiersin.org/journals/psychology/articles/10.3389/fpsyg.2026.1906199/full?utm_source=chatgpt.com
The Economist.com (2026). Does AI Stop Children from Learning. https://www.economist.com/graphic-detail/2026/08/18/does-ai-stop-children-from-learning
Langreo, Lauraine (2026). Students» Tech Engagement Doesn»t Equal Learning, Psychologists Warn. https://www.edweek.org/technology/students-tech-engagement-doesnt-equal-learning-psychologists-warn/2026/09
Massachusetts Institute of Technology (2026). Report of MIT»s Ad Hoc Committee on AI Use in Teaching, Learning, and Research Training. https://bpb-us-e1.wpmucdn.com/sites.mit.edu/dist/d/2418/files/2026/09/AI-Committee-Final-Report-Aug-13.pdf
OECD, 2026. Digital Education Outlook 2026: Exploring Effective Uses of Generative AI in Education. OECD Publishing, 2026. https://doi.org/10.1787/062a7394-en.
OECD الجزيرة European Commission. (2026). Empowering Learners for the Age of AI: An AI Literacy Framework for Primary and Secondary Education.
Reda, Sadki (2026). AI self-replacement: what happens when we delegate our thoughts to artificial intelligence? Reda Sadki: Learning to make a difference. https://doi.org/10.59350/skb2r-wqp57
Stromberg, David and Lei, Victor and Wu, Yanhui, The Generative AI Learning Penalty: Evidence from Chinese Secondary Education (June 02, 2026). Available at SSRN: https://ssrn.com/abstract=6868618 or http://dx.doi.org/10.2139/ssrn.6868618.
Vygotsky, L. S. (1978). Mind in society: The development of higher psychological processes. Harvard University Press.
Zhu, Q., Li, X., Dong, Y., Chang, P., الجزيرة Fan, M. (2026). Not all cognitive offloading is equal: Distinguishing dependent and autonomous offloading to generative AI. Frontiers in Psychology. https://www.frontiersin.org/journals/psychology/articles/10.3389/fpsyg.2026.1878629/full?utm_source=chatgpt.com
** **
د. بدر بن عبدالله الصالح - أستاذ بجامعة الملك سعود سابقًا