د. أماني عبدالله باهديلة
في مشهد يعكس تنامي مكانة المملكة العربية السعودية في منظومة الابتكار العلمي والتطوير الصحي، اختُتمت في مدينة الرياض أعمال قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية، التي أُقيمت خلال الفترة من 14 إلى 16 سبتمبر2026، بعد ثلاثة أيام حافلة بالمحاضرات العلمية والحوارات التخصصية واللقاءات الاستراتيجية، جمعت نخبة من المؤسسات الوطنية والعالمية، بهدف تعزيز التعاون العلمي وتطوير قطاع التقنية الحيوية الطبية، بما يواكب التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في هذا المجال الحيوي.
لم تكن فكرة القمة مجرد تجمع علمي أو مناسبة لتبادل المعرفة، بل جاءت بوصفها مبادرة رائدة ومبتكرة تفتح آفاقاً جديدة أمام الشراكات الاستراتيجية، وتربط بين الاستراتيجيات العالمية والتطبيقات المحلية، بما يسهم في بناء منظومة بحثية واستثمارية قادرة على تحويل الأفكار العلمية إلى مشاريع واعدة ومنتجات ذات أثر مستدام في القطاع الصحي.
ومن أبرز مخرجات القمة، التعاون بين جهات وطنية كبرى، من بينها وزارة الحرس الوطني ووزارة الاستثمار السعودية، لإقامة مشاريع استراتيجية تعزز التكامل المؤسسي، وتدعم فرص الاستثمار في التقنية الحيوية الطبية، وتؤسس لمرحلة جديدة من التعاون بين القطاعات الحكومية والبحثية والاستثمارية.
وتكشف أرقام القمة عن حجم المشاركة والاهتمام الذي حظيت به؛ إذ شهدت حضور ممثلين من 57 دولة، و15 ألف زائر، و200 متحدث، و80 جلسة تعليمية، إلى جانب سبع جلسات خاصة للمديرين التنفيذيين تحت عنوان «تشكيل مستقبل التقنية الحيوية». كما شارك 120 عارضاً في المعرض المصاحب للمؤتمر، الذي أُقيم على مساحة 6,000 متر مربع، وشهد تنظيم 180 لقاءً استراتيجياً بين العارضين والزوار، أسفرت عن توقيع 46 اتفاقية أعمال، بقيمة تجاوزت خمسة مليارات ريال.
واستعرض الدكتور عبدالرحمن الشايع، رئيس مؤتمر قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية، حجم الجهود التي بُذلت في التحضير لهذا الحدث العالمي، موضحاً أن 600 شخص شاركوا في أعمال الإعداد والتنظيم، بإجمالي 4,400 ساعة عمل متواصلة على مدى 170 يوماً، في صورة تعكس حجم التنسيق والتخطيط والعمل الجماعي الذي سبق انطلاق القمة.
واختتم الدكتور عبدالرحمن الشايع كلمته بعبارة تحمل دلالة عميقة على التوجه الاستراتيجي للقمة وطموحها المستقبلي:
“National ambition with a global impact.”
«طموح وطني بأثر عالمي»
عبارة تختصر الرؤية التي تسعى إلى الجمع بين الطموح الوطني والانفتاح على الخبرات الدولية، وتحويل التعاون العلمي والاستثماري إلى نتائج تسهم في تطوير منظومة التقنية الحيوية الطبية، وتدعم مسيرة الابتكار الصحي في المملكة، بما يواكب تطلعات المستقبل ويعزز حضور الرياض على خارطة المؤتمرات العالمية المتخصصة.
«منصة وطنية موحدة تعيد رسم خريطة الاستثمار في التقنية الحيوية الطبية»
ومن أبرز المبادرات التي استُعرضت خلال قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية في يومها الختامي، التعاون بين فريق من وزارة الاستثمار وفريق من وزارة الحرس الوطني، لتطوير منصة معلومات استثمارية موحدة سميت«استثمر في السعودية»، تهدف إلى تعزيز التكامل بين الجهات المعنية، وتسهيل وصول المستثمرين إلى المعلومات والفرص الاستثمارية والإمكانات المتاحة في قطاع التقنية الحيوية الطبية.
وقدّم الفريقان رؤية تتجاوز مفهوم المنصة التقليدية التي تقتصر على عرض المعلومات أو توفير البيانات، لتؤكد أن المنصة الاستثمارية الموحدة تمثل حلقة وصل تجمع مختلف العناصر المتاحة، وتربط المستثمرين بالمسؤولين المخولين والجهات ذات العلاقة في القطاعات المختلفة، ضمن إطار متكامل يسهّل التواصل والتنسيق، ويدعم اتخاذ القرارات الاستثمارية على أسس أكثر وضوحاً وكفاءة.
وتكمن أهمية هذا التعاون من الناحية الطبية في السعي إلى بناء بيئة استثمارية أكثر ترابطاً، يستطيع من خلالها المستثمر في المجال الطبي الوصول إلى الجهات المختصة، والتعرف على الفرص المتاحة، والاستفادة من الإمكانات الوطنية، بما يعزز فرص تأسيس المشاريع وتوسيع نطاقها، ويدعم نمو قطاع التقنية الحيوية الطبية في المملكة.
إن وجود منصة موحدة تربط عناصر المنظومة الاستثمارية والعلمية والتنظيمية يمثل خطوة هامة جدا نحو تيسير رحلة المستثمر من الفكرة إلى التنفيذ، وتقليص التحديات المرتبطة بتعدد الجهات والإجراءات، وفتح المجال أمام شراكات أكثر فاعلية بين المستثمرين والمؤسسات الوطنية. كما يعكس هذا التوجه أهمية التحول الرقمي والتكامل المؤسسي في دعم الاستثمارات الطبية المبتكرة، وتحقيق نتائج اقتصادية وعلمية مجزية على المدى البعيد.
وتؤكد هذه المبادرة أن تطوير التقنية الحيوية الطبية لا يعتمد على التمويل والبحث العلمي وحدهما، بل يحتاج أيضاً إلى بنية مؤسسية متكاملة، ومنصات ذكية، وشراكات استراتيجية تجمع أصحاب القرار والمستثمرين والباحثين، بما يسهم في بناء مستقبل صحي واقتصادي أكثر استدامة.
منصة استثمارية موحدة ومتخصصة «Biosync»
تعد مبادرة استثنائية تعكس في جوهرها أهمية بناء منظومة استثمارية لا تكتفي بجذب رأس المال، بل تعمل على تمكين المستثمر من مختلف مراحل رحلته، بدءاً من اكتشاف الفرصة، مروراً بالتمويل والتنظيم وبناء الشراكات، وصولاً إلى توسيع المشاريع وتحقيق أثر مستدام في مستقبل الرعاية الصحية والتقنية الحيوية الطبية في المملكة.
وتقوم فلسفة المنصة على ستة محاور مترابطة، تعكس رحلة المستثمر من اكتشاف الفرصة إلى التوسع والنمو:
Invest | استثمر
اكتشف الفرص الاستثمارية المتاحة في قطاع التقنية الحيوية الطبية.
Fund | التمويل
الوصول إلى طرق التمويل ومتطلباته المالية المناسبة للمشاريع الاستثمارية.
Regulation | التنظيم
التصفح في الخريطة التنظيمية والقانونية المحدثة للفرص الاستثمارية.
Connect | التواصل
بناء شراكات استراتيجية مع الجهات والشركاء المناسبين داخل المملكة.
Build | البناء
تمكين المستثمر من الوصول إلى البنية التحتية والقدرات والإمكانات اللازمة للمشروع.
Grow | النمو والتوسع
شركاء النجاح.. تكريم الرعاة وإشادة بالمخرجات العلمية والاستثمارية
وفي ختام أعمال قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية، جرى استعراض أسماء الجهات الراعية والشريكة التي أسهمت في دعم هذا الحدث العلمي والاستثماري، في صورة تجسد أهمية الشراكة بين القطاعين الصحي والخاص في تطوير منظومة التقنية الحيوية الطبية بالمملكة. وتوزعت الدروع على عدد من الشكرات الراعية، حيث جاءت شركة «فيرتكس» راعياً استراتيجياً، وشركة «أسترازينيكا» راعياً ماسياً، وشركة الدوائية «سبيماكو» راعياً بلاتينياً، فيما شاركت شركتا «نوفو نورديسك» وشركة «هوفمان لا روش» ضمن فئة الرعاية الذهبية، إلى جانب الشراكة الطبية الرسمية مع مستشفى الدكتور سليمان الحبيب.
وفي مشهد تقديري يعكس قيمة الإسهام المؤسسي في إنجاح القمة، قام المدير العام التنفيذي للشؤون الصحية بوزارة الحرس الوطني الدكتور/ بندر بن عبدالمحسن القناوي بتكريم جميع الرعاة، عقب إلقائه كلمة عبّر فيها عن شكره وامتنانه لكل من أسهم في تنظيم هذه القمة وإخراجها بالصورة التي تليق بأهدافها العلمية والاستثمارية. كما وجّه شكرًا خاصًا إلى وزارة الاستثمار، تقديرًا لجهودها في التعاون مع منسوبي وزارة الحرس الوطني، ودورها في دعم المهام والمبادرات التي أثرت فعاليات المؤتمر وأسهمت في إنجاحه.
وفي السياق ذاته، ألقى الدكتور أحمد العسكر، المدير التنفيذي لمركز الملك عبدالله العالمي للأبحاث الطبية (KAIMRC)، كلمة استعرض فيها رضاه عن النتائج التي أثمرتها فعاليات قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية، وما حملته من مخرجات علمية واستثمارية تعكس أهمية التعاون وتبادل الخبرات في بناء مستقبل هذا القطاع الحيوي.
واختتم الدكتور العسكر كلمته بتقديم الشكر والتقدير إلى جميع الحاضرين والمشاركين والعارضين والمتحدثين، مثمنًا حضورهم الفاعل ومساهماتهم البناءة التي أسهمت في إنجاح القمة، وتعزيز أهدافها في تبادل المعرفة، وبناء الشراكات، واستكشاف الفرص الاستثمارية، ودعم الابتكار الطبي.
إن التكريم الختامي للرعاة، والكلمات التي عبّر فيها المسؤولون عن تقديرهم للجهود المبذولة، يسلطان الضوء على حقيقة أساسية: نجاح المؤتمرات العالمية لا يُقاس بحجم الحضور والفعاليات وحده، بل بقدرتها على جمع المؤسسات والخبرات والاستثمارات في إطار يفتح الطريق أمام إنجازات قابلة للتطبيق.
ومن خلال هذه الرؤية، جاءت قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية مساحة للحوار والتعاون، ومنصة لربط الطموح العلمي بالفرص الاستثمارية، بما يدعم تطلعات المملكة نحو مستقبل صحي قائم على الابتكار والمعرفة والشراكات الاستراتيجية.
** **
جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن - الرياض