محمد سعد القحطاني
لو اختفت غدًا أرقام المتابعين والمشاهدات والاعجابات من جميع منصات التواصل، فبأي معيار سنعرف مَن يستحق أن يؤثر فينا؟
سؤال يبدو افتراضيًا، لكنه يكشف شيئًا حقيقيًا في علاقتنا بالمحتوى؛ فقد اعتدنا أن نرى الرقم قبل أن نرى القيمة، وأن نسأل: كم يتابعه؟ قبل أن نسأل: ماذا يقول؟ حتى أصبح الانتشار عند بعض الناس قرينة على الاستحقاق، وكأن كثرة من يسمعون الإنسان تعني بالضرورة أن ما يقوله يستحق أن يُسمع.
لدينا اليوم مقاييس دقيقة لكل شيء تقريبًا: المشاهدات، والاعجابات، والمشاركات، والمتابعون، ونسب التفاعل. لكن وسط كل هذه الأرقام يغيب المقياس الأهم:
ماذا بقي في الإنسان بعد أن أغلق الشاشة؟
هنا يبدأ الفرق بين الشهرة والتأثير.
فالشهرة تخبرنا كم شخصًا وصل إليه المحتوى، لكنها لا تخبرنا ماذا ترك المحتوى في هؤلاء الأشخاص. قد ينتشر مقطع لأنه غريب أو صادم أو مثير للجدل، ثم لا يبقى منه بعد أيام شيء يستحق أن يُذكر. وفي المقابل، قد تمر كلمة هادئة على عدد أقل من الناس، لكنها توقظ فكرة، أو تصحح مفهومًا، أو تغير قرارًا، أو تعيد إنسانًا إلى نفسه.
فأيّهما أكثر تأثيرًا؟
حين أصبح الرقم قيمة
لم تولد الظاهرة فجأة. الشهرة قديمة، وكان لكل زمن نجومه في الأدب والإعلام والفن والرياضة وغيرها. لكن المنصات الرقمية غيرت شيئًا جوهريًا: جعلت الجمهور رقمًا ظاهرًا أمام الجميع.
وهذه المنصات منحت الناس فرصة عظيمة للنشر والتعبير، وأوصلت مواهب ومعارف ربما لم تكن لتجد طريقها إلى الجمهور قديمًا. لكن مع الوقت تجاوز الرقم وظيفته الطبيعية بوصفه مقياسًا للانتشار، وأصبح عند البعض مقياسًا للقيمة والمصداقية.
وهنا المشكلة.
ليست المشكلة أن يعرفك مليون إنسان؛ فقد يكون ذلك ثمرة نجاح وعمل يستحق التقدير. المشكلة أن يصبح هذا المليون دليلًا على صحة ما تقول.
فالعدد يستطيع أن يخبرنا بأن إنسانًا وصل إلى جمهور واسع، لكنه لا يستطيع أن يخبرنا بأنه أكثر علمًا، أو أعمق فكرًا، أو أصوب رأيًا.
الأرقام تقيس الوصول، لكنها لا تقيس الحقيقة.
ونحن جزء من المعادلة ومن غير العدل أن نحمّل صانع المحتوى والمنصة المسؤولية كلها؛ فنحن الجمهور نصنع جزءًا كبيرًا من هذه الظاهرة.
كل مشاهدة ومشاركة وتعليق يمنح المحتوى فرصة إضافية للانتشار. وأحيانًا نستنكر محتوى تافهًا ثم نعيد نشره لنحذر الناس منه، فنصبح ـ من حيث لا نشعر ـ جزءًا من صناعة شهرته.
وهنا مفارقة تستحق التأمل:
قد نحارب التفاهة بالطريقة التي تصنع شهرتها.
فالمنصة ترى اهتمامًا وتفاعلًا، بينما نرى نحن استنكارًا. والنتيجة واحدة أحيانًا: مزيد من الوصول.
لهذا أصبح الانتباه ثروة، ونحن نوزع هذه الثروة كل يوم. وليس كل ما يثير فضولنا يستحق دقيقة من أعمارنا، كما أن ليس كل ما يغضبنا يستحق جمهورًا إضافيًا.
حين تتحول الشهرة إلى اختصاص
الأخطر أن ينتقل نجاح الإنسان في مجال إلى منحه سلطة في مجالات أخرى لا يملك فيها معرفة كافية.
من حق كل إنسان أن يبدي رأيه، لكن هناك فرقًا بين حق الرأي ومرجعية الرأي.
قد نحب شخصًا لموهبته أو حضوره أو نجاحه، لكن إعجابنا به لا يحوله إلى متخصص في الصحة أو التربية أو الاقتصاد أو غيرها.
وفي المقابل، قد يقضي متخصص سنوات في العلم والتجربة، لكنه لا يجيد منافسة مقطع لا يتجاوز ثواني، فيصبح صوته أقل انتشارًا.
وعندما نحتاج إلى معرفة حقيقية، ينبغي أن يكون السؤال:
من يعرف؟
لا:
من يتابعه عدد أكبر؟
وماذا يتعلم أبناؤنا؟
تزداد أهمية القضية عندما ننظر إلى الأطفال والناشئة.
فالطفل الذي يرى باستمرار أن الأكثر ظهورًا يحصد الاهتمام والمال والتصفيق قد يبني تعريفًا مختلفًا للنجاح. وقد يصبح حلمه أن يكون مشهورًا قبل أن يعرف لماذا يريد الشهرة، أو ماذا سيقدم إذا حصل عليها.
وهنا مسؤولية الأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع في أن يرى الجيل نماذج متعددة للنجاح: الطبيب، والمعلم، والباحث، والمهندس، والمبدع، والحرفي المتقن، ورائد الأعمال، والمتطوع، وصانع المحتوى النافع أيضًا.
فالشهرة ليست عيبًا، وصناعة المحتوى ليست أقل شأنًا. لكن الشهرة حين تأتي، جميل أن تكون نتيجة لشيء يستحق أن يُعرف، لا غاية خالية مما وراءها.
ليس كل مشهور بلا أثر
ومن الإنصاف ألا يتحول هذا الحديث إلى خصومة مع المشاهير.
فهناك من جمع بين الانتشار والقيمة، واستثمر جمهوره في المعرفة والخير والتوعية والمبادرات الإنسانية. وحين تجتمع الشهرة مع المسؤولية يصبح اتساع الوصول قوة إيجابية عظيمة.
إذن القضية ليست: مشهور سيئ ومغمور جيد.
بل:
الشهرة شيء، والقيمة شيء آخر؛ وقد تجتمعان وقد تفترقان.
نحن لا نحتاج إلى تقليل عدد المؤثرين، بقدر حاجتنا إلى رفع معنى التأثير.
ميزان آخر
ماذا لو أصبح إلى جانب ميزان المشاهدات «ميزان أثر»؟
لا أقصد جهة تصنف الناس، ولا تطبيقًا يمنحهم درجات، وإنما ثقافة تجعلنا نغيّر الأسئلة.
بدل أن نسأل فقط: كم شخصًا شاهد؟
نسأل أيضًا: ماذا أضاف المحتوى؟ هل علّمني؟ هل جعلني أفكر؟ هل صحح مفهومًا؟ هل احترم عقلي ووقتي؟ وهل سأكون مطمئنًا لو تأثر به ابني؟
وقد لا يمكن تحويل الأثر إلى رقم، وربما لا ينبغي ذلك أصلًا؛ لأن بعض أعظم الآثار الإنسانية لا تقاس بالأرقام.
لكن يمكننا تغيير سلوكنا.
أن نعلّم أبناءنا أن عدد المتابعين ليس شهادة معرفة. وأن نفرق بين الشهرة والإنجاز. وأن نمنح أصحاب العلم والكفاءة مساحة أكبر. وأن يدرك صاحب الجمهور أن اتساع صوته يعني اتساع مسؤوليته.
وأن نتعلم نحن مهارة أصبحت ضرورية:
أن نختار لمن نعطي انتباهنا.
فلا نشارك كل شيء، ولا نصنع من كل جدل حدثًا، ولا نجعل السخرية طريقًا مجانيًا إلى الشهرة.
وقبل أن نضغط زر المتابعة، ربما يستحق الأمر سؤالًا:
ماذا سيضيف هذا الإنسان إلى حياتي إذا سمحت له أن يدخل إليها كل يوم؟
لأن من نتابعه باستمرار قد تدخل كلماته إلى لغتنا، ومقاييسه إلى أحكامنا، واختياراته إلى رغباتنا، وربما نظرته إلى الحياة إلى نظرتنا نحن.
وهذه مساحة أكبر من أن نمنحها لأي إنسان لمجرد أن الرقم بجانب اسمه كبير.
ربما كان الخطأ أننا سمينا الجميع «مؤثرين» قبل أن نسأل عن الأثر.
فالشهرة قد تصنع اسمًا، لكنها وحدها لا تصنع قيمة. والمشاهدة قد تستغرق ثواني، بينما تعيش بعض الكلمات سنوات.
وفي عالم يتنافس فيه الجميع على أن يُرَوا، ربما علينا أن نتعلم من جديد كيف نختار مَن يستحق أن يُسمع.
ولو اختفت غدًا جميع الأرقام، ولم نعرف عدد المتابعين ولا المشاهدات ولا الاعجابات، فقد ننظر أخيرًا إلى الكلمات دون زحام الأرقام حولها.
وعندها لن يكون السؤال:
مَن الأكثر ظهورًا؟
بل:
مَن الذي ترك بعد ظهوره شيئًا يستحق أن يبقى؟