خالد محمد الدوس
في خضمّ زخم الحياة المعاصرة، حيث تتسارع الأيام وتتوالى المطالب، يبدو «السلام الداخلي» كجوهرة نادرة يصعب اقتناؤها. غير أن الحقيقة الأعمق تكمن في أنه ليس ترفًا ولا رفاهية، بل استثمار وجودي نُبرمه مع أنفسنا؛ صفقة ثمنها التخلي عن أشياء نظنّ أننا نحتاجها، لنكسب أشياء لا غنى لنا عنها.. في صحتنا بكل أبعادها وتفاصيلها.
فشراء «السلام الداخلي» يعني أولًا (الاستثمار) في صحتنا النفسية والعضوية. فجسدنا وعقلنا ليسا خزانين منفصلين..!، بل مرآة تعكس بعضها البعض. التوتر المزمن والقلق هما ضريبة ندفعها يوميًا، تؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم، واضطرابات النوم، وضعف المناعة. لكن شراء السلام يعني أن ندرك أن ساعة من التأمل أو المشي في الطبيعة ليست مضيعة للوقت، بل هي وديعة في (بنك صحتنا)!! إن اختيار النوم المبكر بدلًا من السهر على مشاهدة الأخبار المقلقة، أو تخصيص وقت للقراءة الهادئة، وترك الانفعالات الحوارية.. وردود أفعالها العكسية.. هي قرارات شرائية ندفع فيها ثمن التخلي عن العادات المستنزفة، لنربح طاقة متجددة وقدرة على التحمل.
أما أداة الشراء الأكثر فعالية فهي «التغافل الذكي». نحن في زمنٍ يُقدّس الرد السريع، والموقف الحاد، والفوز في كل جدال..!! لكن «التغافل» ليس ضعفًا، بل هو قوة اختيارية. أن نّمر بجانب الكلمات الجارحة وكأننا لم نسمعها، وأن نتجاوز عن الأخطاء الصغيرة دون حاجة إلى محاسبة، وأن نختار المعركة التي تستحق أن نخوضها، ونتنازل عن ألف معركة جانبية..!! التغافل الذكي هو أن تدرك أن (راحة بالك) أغلى من أن ترهنها لموقف عابر أو حدث زائل، فتربح بالتالي هدوءًا لا يقدر بثمن. هذا النوع من التسامح الواعي ليس انكسارًا، بل هو تحرر من سجن ردود الفعل الآلية.
والتجاهل، في سياق شراء السلام، ليس إغماضًا عن الواقع، بل هو تحديث لنظام التشغيل الذهني. تجاهل الأصوات الناقدة التي لا تبني، والأخبار التي لا تهم، والاستفزازات الصغيرة التي تسرق انتباهنا. إنه فن تصفية المشتتات لنتمكن من رؤية الجوهر. عندما نتجاهل القيل والقال، ونهمس لأنفسنا بأن «هذا لا يستحق طاقتي»، فإننا نشتري مساحة ذهنية للإبداع والسكينة. نصبح كحديقة أزلنا منها الأعشاب الضارة؛ فلا تنمو فيها سوى الأزهار التي نرغبها.
وهنا يلتقي هذا الطرح الواقعي مع حقل علم الاجتماع النفسي الذي يدرس كيف تتشكل (أفكارنا وسلوكياتنا).. تحت تأثير (التفاعل الاجتماعي). فمفهوم «التغافل الذكي» يقترب من نظرية «إدارة الانطباع» لدى عالم الاجتماع الأمريكي الشهير «إرفينغ غوفمان»، حيث نختار ما نُظهره ونخفيه في مواقفنا الاجتماعية. كما يتصل بمفهوم «التنافر المعرفي» لدى عالم النفس الاجتماعي «ليون فيستنجر»، إذ إن (تجاهل) الاستفزازات يقلل من التوتر الناتج عن تعارض الرغبة في الرد مع الرغبة في الهدوء!
إن ضغط الجماعة كما أثبته تجارب العالم «سولومون آش»، يدفعنا للانخراط في خصومات لا نريدها، خوفًا من العزلة أو الاتهام بالضعف!! لكن (شراء السلام الداخلي) يعني مقاومة هذا الضغط، وإعادة تعريف «القوة» لا كفرض الرأي، بل كضبط النفس! وكما تؤكد دراسات «علم النفس الاجتماعي» أن العلاقات الأكثر استقرارًا هي تلك التي يتجاوز فيها الأطراف «الأخطاء الصغيرة»، وهو ما يسميه الباحثون «التسامح الإستراتيجي».
وخلاصة القول، «شراء السلام الداخلي».. هو (الصفقة الأذكى) التي يمكن أن يعقدها الإنسان. ثمنه هو التخلي عن الحاجة للسيطرة، والرغبة في إثبات الذات في كل لحظة، والتشبث بالقلق كعادة. ومقابله، نحصل على أغلى ما في الحياة: (صحة) تعيننا على العطاء، و(علاقات) أعمق تقوم على التفهم لا التحدي، و(عقل) صافٍ قادر على الاستمتاع بلحظات البساطة. إنه استثمار لا تنخفض قيمته مع الزمن، بل تتصاعد (أرباحه) كلما تقدمنا في العمر، فنصبح أكثر حكمة، وأكثر قدرة على التمتع بالحياة، لا بامتلاكها.