نجلاء العتيبي
كلما أخرجت الأرضُ بعضَ ما أودعه الله في أعماقها، تجدَّدت أمامنا دلالةُ الدعاء العظيم: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ}. والثمرات أوسعُ من زرع يُقطَف؛ فقد تأتي علمًا، وأمنًا، وموقعًا، وطاقةً، ومعدنًا ظلَّ قرونًا مصونًا تحت صخور الوطن، إلى أن حان موعد الوصول إليه بعقول أبنائه وجهودهم.
أعلنت المملكةُ اكتشافَ موارد تُقدَّر بنحو مئة وعشرة ملايين طن من الخام في منطقة المدينة المنورة، تحتوي على تركيزات مرتفعة من المعادن الأرضية النادرة، تُرافقها تركيزات واعدة من اليورانيوم. خبرٌ يحمل قيمة علمية واقتصادية، ويكشف اتساع الممكنات التي تختزنها هذه البلاد، وما ظهر اليوم حصيلة أعمال استكشاف ودراسات جيولوجية وخطط ممتدَّة، وليس جملة مرتجلة وُلدت لمجاراة حدث سياسي أو عسكري.
ومع ذلك، تستقبل بعضُ الحسابات الخارجية الحاقدة كلَّ بشارة بسؤال ساخر: لماذا تعلن السعودية اكتشافًا جديدًا كلما وقعت ضربة جوية أو اشتدَّت أحداث المنطقة؟ أفتنتظر نعم الله هدوء هذا العالم، أم تُؤجّل فرق المسح نتائجها حتى تستأذن أصحاب هذه التعليقات؟ أيُّ منطقٍ يربط طبقات الأرض بتوقيت المعارك؟ وأيُّ إنصاف يُحوّل ثمرة العمل إلى مادَّةٍ للتهكُّم لمجرد تزامنها مع خبر آخر؟
فالاكتشافات لا تهبط على نشرات الأخبار فجأةً، بل تسبقها سنوات من جمع العينات، وقراءة الخرائط، وتحليل التكوينات، وتقدير الموارد، ومراجعة النتائج، ثم اختيار اللحظة المهنية المناسبة للإعلان، وقد يتزامن اكتمال هذه الدورة مع أزمة، أو مؤتمر دولي، أو واقعة تشغل المتابعين؛ غير أن التزامن ليس دليلًا على الاختلاق؛ فالأرض لا تُعدّل محتواها وَفْق المزاج السياسي، والمعامل لا تصنع نتائجها لإرضاء جمهور منصات التواصل.
ثم لماذا تحتاج المملكة إلى تزييف ثروة؟ وطنٌ يملك حضورًا اقتصاديًّا راسخًا، وموارد معروفة، ومشروعات يراها العالم، لا يبحث عن قيمة مستعارة في رقم مصنوع، وهو عند إعلانه موردًا جديدًا لا يطلب شهادة إعجاب من حساب مجهول، وإنما يضع معلومةً ضمن مسار تنموي واضح، تحكمُهُ الدراسات والأنظمة والمسؤولية، والثروات الطبيعية ليست أوسمةً للزينة؛ إنها أمانة تحتاج إلى معرفة وتقنية واستثمار رشيد يُحوّل المورد الخام إلى منفعة مستدامة.
ويكتسب هذا الإعلان معنًى إضافيًّا لاتصاله بالمدينة المنورة، الأرض التي جمعت شرف المكان وثراء التكوين، لتقول خرائطها: إن العطاء قد يسكُنُ حيث لا تراه العين، تحت الجبال سجل طويل لا تقرأه إلا الخبرة، ولا تستخرجه الأمنيات، وما تناله المملكة اليوم ليس مصادفةً منفصلةً عن نهضتها؛ إنه نتيجة دولةٍ وسَّعت ميادين المعرفة، وأعدَّت الكفاءات، وربطت البحث بصناعة المستقبل، حتى أصبح باطن الأرض شريكًا في تنويع الاقتصاد، وتعزيز الاستقلال التقني، وخدمة الإنسان السعودي.
والمؤسف أن بعضهم يتتبَّع نعم المملكة ليطعن فيها، عِوضًا عن تأمُّل معنى أن يفتح الله لوطن أبوابًا جديدة من الرزق، أما تحويل البشارة إلى مادة للسخرية فلا يُغيّر من حقيقتها شيئًا، وإنما يكشف ضيقًا بما أفاء الله على هذه البلاد، ومن العيب أن يُصبح تعداد خيرات وطننا ذريعةً للنيل منه، أو أن يتحوَّل الفضل إلى تهمة تستوجب الاعتذار.
نحن لا نقول إن كل إعلان نهاية الطريق؛ فالاكتشاف بداية تتبعها مراحل التقييم والتطوير والاستفادة، وهذه الحقيقة تزيد الخبر احترامًا؛ لأنها تضعه في موضعه العلمي من دون تهويلٍ، نفرح بما ظهر، ونثقُ بمن يعمل، ونُدرك أن القادم يحتاج إلى جهد يليق بحجم الأمانة.
السعودية لا تفاوض المشككين على نعمها، ولا تضبط رزقها على ساعة أزماتهم، ولكن تمضي في البناء، وتكشف أرضُها عن عطائها بإذن الله، ومَن ضاق بالبشارة فليراجعْ قلبه ومنطقه؛ فالنعم تُشكَر، والعمل يُقدَّر، والوطن الذي بلغ مكنون ثرواته بعلم أبنائه يستحقُّ أن يعتز بها، وأن يجعلها رصيدًا لازدهار الأجيال القادمة.
ضوء
«اللَّهُمَّ احفظِ المملكة، وأدِمْ أمنَها وعِزَّها، وباركْ في خيراتها، وافتحْ لها من خزائن فضلك ما يزدهرُ به مستقبلُها».