عبدالرحمن الحضري
قبل سنوات انتدبت وزارة الثقافة مختصين في «علم الكلام» إلى مناطق المملكة الغنية بتنوع موروثها اللفظي لتدوين المصطلحات اللغوية المحلية التي يُخشى عليها من الضياع. وقامت الجهات المعنية -ومنها الأندية الأدبية- باختيار بعض كبار السن للمساعدة في التدوين والتوثيق، في خطوةٍ رائدة لحفظ هويتنا الشفهية.
وإذا ما استعرضنا كلامنا في لهجاتنا المحلية، نجد أنه بالفعل هناك كلمات عامية لا تقال إلا في حالاتٍ معينة، ونتحاشى ذكرها في كتاباتنا، وفي النقاشات الجادة، ولا نستخدمها في الندوات واللقاءات والمحاضرات، ككلمة: «لصمقة».
تستخدم «اللصمقة» عادةً عند انتقاد عمل ما، كقولك لمن لم يعجبك أداؤه: «شغلك لصمقة».
ويتفنن كبار السن -حفظهم الله- في استخدام تصاريف لها، فيقولون: «تلصمق»!
ولاحظ عزيزي القارئ اللهجة المقعرة هنا؛ فالتاء ساكنة، واللغة العربية لا تبدأ بساكن، ولو حركتها لسخر منك القوم، أي كأنك تقول: «شغلك تِلصمِق يا معلم»!. وإذا ما أردتُ تسهيلها عليك، سأضيف في أولها همزة وصل لتصبح: «اتْلصمق».
أما حرف القاف، فإنه لا يُلفظ قافًا في هذا المقام، بل يشبه في لفظه حرف «الزاي» المنقطع، فتقول: «اتْلصمز».. ولاحظ أيضًا أيها القارئ الكريم أنك لو قرأتها هكذا كما هي مكتوبة لسخر منك القوم أيضًا، لذا سأسبق الزاي بحرف الدال كي يقطعها لتصبح: «اتْلصمدز»!. هل أصبحت واضحةً؟ لا يقتصر هذا المصطلح البديع على مهنةٍ دون أخرى، بل يمتد ليشمل مناحي الحياة كافةً، ليتحول إلى ثقافة نراها تتجلى في مواقف يومية، ففي المدارس مثلاً، لطالما رأينا ذلك الطالب الذي لا يتذكر واجبه المدرسي إلا في طابور الصباح، فيستعير دفتر زميله وينقل الإجابات بخطٍ رديء وحروف متداخلة ليتهرب من العقاب. هذا الطالب أسس لمبدأ «اللصمقة الأكاديمية» من بدري!
وفي بيئة العمل: تجد ذلك الموظف الذي يأتيه تكليف بمشروع مهم، فيتجاهله حتى الليلة الأخيرة، ثم يجمع على عجل بضع شرائح إلكترونية مليئة بالحشو والقص واللصق، ويقدمها في الاجتماع وكأنها إنجاز تاريخي. هذه «لصمقة إدارية» بامتياز!
في عالم الإعلام: الذي يُفترض به الدقة، قد نبتلى بمن يقف خلف الميكروفون ليقدم مادةً دسمة دون إعدادٍ مسبق، أو يقرأ نصًا لم يكلف نفسه عناء مراجعته، فيتعثر ويخطئ، ثم يحاول ترقيع الموقف بكلماتٍ مرتجلة باهتة. هذا الأداء «لصمقة» عبر الأثير! وفي الورش الصناعية: ذلك الميكانيكي الذي تدفع له من حر مالك ليصلح «حذفية الموتر» فيكتفي بربط الأذرعة بـ«الشطرطون» زاعمًا بكل ثقة أن «الموتر صار وكالة».. بعد هذا التخبيص فهو لا يصلح سيارتك، بل «قاعد يلصمق»!
أما المشاريع الخدمية؛ فتتجلى المأساة حين تتحول الشوارع إلى حقول تجارب، فتحفر الطرقات، ثم تترك مشرعة يومين.. ثلاثة.. أسبوعًا.. شهرين! ثم فجأةً، تضج الشوارع بالمعدات الثقيلة للردم بطريقة عشوائية، لتتحول الحفريات إلى نتوءات ومطبات صناعية؛ هذه هي «اللصمقة الهندسية» التي ندفع ضريبتها من أعصابنا و«مساعدات» سياراتنا، لنعاود البحث من جديد عن صاحب الشطرطون! والحبل على الجرار.
ما الذي يجعل ممارسة «اللصمقة» أسهل من البعد عنها؟ هل لأن البعد عنها مكلف؟ في حين أن الإتقان يتطلب وقتًا، وجهدًا، وشغفًا، وإخلاصًا، ومحاسبة للذات قبل محاسبة الآخرين. بينما «اللصمقة» طريق مختصر، يمنحك شعورًا زائفًا بالإنجاز، ويطوي ملف العمل بأقل التكاليف؟!
الأعمال العظيمة تُبنى على التفاصيل الدقيقة، وما يُنجز بـ«اللصمقة» سرعان ما تفضحه الأيام، وتسقطه أول عاصفة من عواصف التجربة.
يقول دايم السيف:
يامدور الهيّن ترى الكايد أحلى
وأسأل مغنّي كايدات الطروقي