د. أماني بنت خلف الغامدي
لم تعد الاختبارات والتقييمات الدولية مجرد مسابقات دورية للتصنيف والمقارنة بين الدول، بل تحولت إلى ركيزة أساسية تُبنى عليها سياسات التطوير التربوي الحديثة. ويقف البرنامج الدولي لتقييم الطلبة (PISA)، إلى جانب دراسات دولية عريقة مثل (TIMSS) و(PIRLS)، كمرآة عاكسة لمدى جاهزية الأجيال القادمة لمواجهة متطلبات المستقبل؛ إذ لا يقيس هذا التقييم حفظ المعرفة، بل يختبر مدى قدرة الطالب على توظيف مهارات القراءة، والعلوم، والرياضيات، والتفكير الناقد في مواقف حياتية واقعية. وإن القيمة الحقيقية للاختبارات الدولية لا تكمن في لحظة إعلان النتائج وترتيب الدول، بل في كيفية استثمار هذه النتائج وتحويل أرقامها إلى قرارات تنفيذية تُحدث أثرًا ملموسًا داخل حجرة الصف.
ولعل ما يمكن إبرازه في هذا الجانب أهمية تحليل البيانات واستخراج المؤشرات فنتحول من الأرقام إلى صناعة القرار. ولا شك أن تقارير «بيزا» تمثل مستودعًا ضخمًا للبيانات التربوية التي تتجاوز درجات الطلاب المباشرة لتكشف عن محددات وسياقات أعمق للعملية التعليمية. ومن هنا تبرز أهمية الربط المباشر بخطط التطوير من حيث تفكيك بيانات نتائج (PISA) وتكاملها مع نتائج TIMSS وPIRLS لربطها ببرامج تحسين المناهج، وتحديث إستراتيجيات التدريس، وتطوير البيئة المدرسية. كذلك ما يمكن الاستفادة به من تحليلات الاستبانات المرافقة لـ «بيزا» لصُنّاع القرار من رصد الفجوات التعليمية المرتبطة بالبيئة الجغرافية، أو الفروق الاجتماعية والاقتصادية، أو التفاوت بين الجنسين، مما يوجّه الموارد بدقة نحو المدارس والبيئات الأكثر احتياجًا للدعم. كما تقدم نتائج الاختبارات إمكانية صياغة سياسات قائمة على الأدلة (Evidence-Based Policy): والانتقال بإصلاح التعليم من الانطباعات الفردية أو الحلول المؤقتة إلى سياسات وإستراتيجيات مبنية على أدلة وبراهين إحصائية موثوقة تحدد مواطن القوة لتعزيزها ومواضع القصور لمعالجتها جذريًا.
كذلك يمكن الاستفادة من نتائج الاختبار في بناء القدرات الوطنية في القياس والتحليل وتسعى الدول منذ «صدمة ألمانيا» -على سبيل المثال-في اختبارات بيزا 2001 حين أظهرت النتائج الأولى للبرنامج حلول ألمانيا دون المتوسط الدولي لدول المنظمة في القراءة والرياضيات والعلوم حيث كان جرس الإنذار الذي أحدث هلعًا سياسيًا ومجتمعيًا حينها والذي أُطلق عليه مصطلح «صدمة بيزا (PISA-Schock)، مما دفع برلين إلى إدخال إصلاحات هيكلية واسعة النطاق على المناهج وطرق التدريس. ثم ظهرت دراسات تدعو للاستفادة القصوى من الدراسات التقييمية الكبرى والتي تتطلب بنية بشرية وطنية مؤهلة تقود عمليات الفهم والتطبيق محليًا مما يدعو إلى تأهيل الكوادر المتخصصة وتدريب القيادات التربوية، ومطوري المناهج، والخبراء المحليين على منهجيات القياس المتقدمة والنمذجة الإحصائية لقراءة التقارير الدولية وتفسير تقلبات الأداء بعمق. وهو ما تتطلبه هذه المرحلة في دولنا العربية وأنظمتنا التعليمية.
ولكون المعلم الممارس شريكا فإن تمكينه كممارس متأمل أمر بالغ الأهمية. فترجمة أطر بيزا ومستوياتها المعرفية إلى برامج تدريب وتطوير مهني للمعلمين أثناء الخدمة، وتدريبهم على تصميم أنشطة قائمة على الاستقصاء وحل المشكلات، أنشطة يمكن تبنيها بشكل كامل مما يضمن وصول أثر الإصلاح إلى الممارسات اليومية في الصف المدرسي.
كما تقتضي النتائج التي تمثل صدمة لأنظمة التعليم العربية التحفيز لتطوير آليات القياس والتقويم المدرسي ومواكبة مهارات العصر. فملاءمة التعليم للمستقبل يشجع على إعادة النظر في أدوات التقويم الوطنية والمدرسية لتواكب فلسفة التقييم العالمية من حيث مواءمة التقييمات الوطنية والاستفادة من المعايير والأطر الفكرية لاختبارات (PISA) في بناء وتطوير اختبارات وطنية ومدرسية تتسم بالصدق والموثوقية العالية وتدعم تكافؤ الفرص والإنصاف لجميع المتعلمين.
كذلك تلفت النتائج النظر إلى أهمية دمج مهارات المستقبل وأدوات الذكاء الاصطناعي وتصميم أدوات قياس ذكية وتكيفية (Adaptive Assessment) تراعي الفروق الفردية للطلبة، وتدمج مهارات التفكير الحاسوبي، ومحو الأمية الرقمية، والتفاعل المسؤول مع الذكاء الاصطناعي، بما يضمن تقييمًا عادلًا ومرنًا لمهارات القرن الحادي والعشرين.
أما من حيث تعزيز التعاون الإقليمي وتبادل الخبرات الناجحة ولأن المنظومات التعليمية لا تعمل في معزل عن محيطها؛ فإن الاستثمار في البعد الإقليمي عامل مسرّع للتحسين من حيث تبادل التجارب وقصص النجاح من حيث فتح قنوات للحوار وتبادل الممارسات الفضلى بين النظم التعليمية التي تتشابه في السياقات الثقافية والاجتماعية لمعرفة آليات التغلب على التحديات التعليمية المشتركة. وتعزيز مشاريع تقييم وتطوير مشتركة من حيث إطلاق مبادرات إقليمية لبناء بنوك أسئلة موحدة، وبرامج مشتركة لبناء قدرات الباحثين والمقوّمين، مما يسهم في رفع كفاءة وموثوقية مخرجات التعليم في المنطقة ككل.
وفي الختام فإن اختبارات «بيزا» ليست محطة لاختبار الطلبة بقدر ما هي اختبار لجودة المنظومة التعليمية بأكملها. وإن النجاح في توظيف نتائج هذه التقييمات في نظامنا التعليمي يكمن في اعتبارها أداة تشخيصية لا غاية نهائية؛ فمن خلال التحليل الدقيق للمؤشرات، وبناء الكفاءات الوطنية، وتطوير أساليب التقويم الصفي، وتوثيق الشراكات، نضمن تحويل مخرجات التقييم إلى محرك حقيقي للنهوض بالتعليم وصناعة مستقبل واعد للأجيال. فهل نبدأ فورا أم ننتظر نتائج بيزا القادمة؟