«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
على مدى يومين، وضع الملتقى الفلسفي الخليجي الأول 2026، الذي احتضنه مركز سرد الثقافي بالرياض يومي 18 و19 سبتمبر، الفلسفة أمام أكثر الأسئلة التصاقًا بالإنسان المعاصر؛ من الذكاء الاصطناعي والخوارزميات، إلى الهوية واللغة والفن والأخلاق والتربية والمكان، مرورًا بتحولات المعرفة والرأسمالية الرقمية وما بعد الإنسانية.
وتحت عنوان «الفلسفة والوجود المعاصر»، لم يكتفِ الملتقى باستعادة الأسئلة الفلسفية في صورتها التقليدية، وإنما نقلها إلى مناطق جديدة فرضتها التحولات التقنية والاجتماعية والثقافية المتسارعة؛ فكيف يعرف الإنسان الحقيقة في عصر الأخبار الكاذبة؟ وما الذي يحدث للهوية حين تصبح الخوارزميات وسيطًا في تشكيل التجربة؟ وهل يمكن للآلة أن تنتج عملًا فنيًا، لكنها تنتج في الوقت نفسه التجربة الإنسانية التي تمنحه قيمته؟ وأين تقف حدود الذكاء عندما نصل إلى الوعي والأخلاق؟
بهذه الأسئلة، بدا الملتقى أقرب إلى مساحة واسعة لإعادة النظر في علاقة الإنسان بعالمه، أكثر من كونه لقاءً أكاديميًا يستعرض تاريخ الأفكار ومصطلحاتها.
من سؤال المعرفة إلى تحدي الخوارزمية
افتتحت أعمال الملتقى بكلمة رئيس مجلس الإدارة أ.د. عبدالله المطيري، أعقبتها الندوة الحوارية الأولى «العالم يتغير.. ماذا نفعل؟»، التي أدارها د. هادي الصمداني، وبدت منذ بدايتها مدخلًا طبيعيًا إلى التحول الذي يعيشه الإنسان في علاقته بالمعرفة.
ففي ورقته «من التقليد إلى الاجتهاد الرقمي: نظرية المعرفة عند الغزالي وتحدي الأخبار الكاذبة»، استعاد د. مسفر الجباني سؤال المعرفة من خلال تجربة الإمام الغزالي، ووضعه أمام بيئة رقمية أصبحت فيها وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة الحقيقة.
أما أ. محمد العجمي، فطرح موضوع «الليبرالية الفينومينولوجية الضخمة: نحو فهم الخبرة الإنسانية في عصر الخوارزميات»، بينما تناولت أ. آلاء الحربي، في ورقتها «الرأسمالية الرقمية وتشظي المعنى: نحو قراءة نقدية للوجود الإنساني المعاصر»، أثر البيئة الرقمية في تشكيل المعنى والخبرة الإنسانية.
وفي السياق نفسه، قدم د. شتيوي الغيثي موضوع «البداهة بوصفها وجودًا أصيلًا»، لتتجاور داخل الجلسة أسئلة المعرفة والخبرة والمعنى والوجود، في مشهد يعكس اتساع الحقل الذي تتحرك فيه الفلسفة اليوم.
واللافت هنا أن الملتقى لم يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره موضوعًا تقنيًا مستقلًا، بل باعتباره تحولًا يمس طريقة الإنسان في معرفة العالم، وفهم ذاته، وإنتاج المعنى.
ماذا يبقى ممكنًا في زمن التغيير؟
انتقل النقاش في الجلسة الثانية، التي أدارها د. علي النهالي، إلى سؤال مختلف: «ما الذي لا يزال ممكنًا؟ بين التكيف والتغيير».
ومن بين الموضوعات اللافتة في هذه الجلسة، بحث د. حمد الريس في «آفاق الاستشارة الفلسفية من وحي التجربة في الخليج»، وهو طرح يوسع حضور الفلسفة من فضاء الجامعة والبحث النظري إلى إمكانية ملامستها للحياة اليومية والمؤسسات والمجتمع.
وتناولت أ.أماني أبو زاهرة «تحولات الهوية والقيم الأخلاقية في المجتمع السعودي المعاصر: قراءة فلسفية في ضوء نظرية الحداثة السائلة»، فيما بحث أ.د. عادل خميس في «وعود ما بعد الإنسانية ووعيدها: رفاه الإنسان والمأزق الأخلاقي».
أما د. مها المغامسي، فركزت على التربية من خلال موضوع «أنسنة التربية في العصر الرقمي نحو استعادة البعد الإنساني».
وتلتقي هذه الطروحات، رغم اختلاف مداخلها، عند سؤال واحد تقريبًا: كيف يستطيع الإنسان أن يتكيف مع التحول دون أن يفقد منظومته القيمية والإنسانية؟
فالمسألة، كما عكستها موضوعات الجلسة، لا تتعلق فقط بما تستطيع التكنولوجيا أن تفعله، وإنما بما ينبغي للإنسان أن يفعله أمام هذه القدرات، وما الحدود التي تستدعيها الأخلاق والقيم عندما يصبح التطور التقني أسرع من قدرة المجتمعات على استيعابه.
الإنسان أمام صورته الجديدة
في اليوم الثاني، واصل الملتقى تفكيك العلاقة بين الإنسان والتقنية، من خلال الجلسة الثالثة «من يتحدى من؟ دعوة للنظر مجددًا»، التي أدارها أ. مالك آل فتيل.
وذهبت أ. أبرار الجنيبي مباشرة إلى منطقة شديدة الحساسية في علاقتنا بالتكنولوجيا، عبر موضوع «الإنسان والسيبورغ: بين الوعد التكنولوجي وتهديد الطبيعة الإنسانية.. قراءة فلسفية نقدية»؛ حيث لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة خارجية، بل أصبحت تطرح أسئلة حول الجسد والقدرات والهوية، وحدود ما يمكن أن يبقى طبيعيًا في الإنسان.
وفي الاتجاه نفسه، تناول أ. بدر سعد «معيار الانعكاس التداولي: نحو معيار إبستمولوجي للتمييز بين الكوني والأيديولوجي في الخطاب الاجتماعي المعاصر»، بينما قدمت د. خولة الملا مقاربة لسؤال الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي من منظور الثقافة الإسلامية، من خلال موضوع «الوجود الإنساني في عصر الذكاء الاصطناعي: مقاربة من منظور الثقافة الإسلامية».
أما د. حسين العيسى، فناقش «من الجوهر إلى الفضاء: الإبداع الإنساني في حوار الذات والخوارزمية»، ليصل الحوار إلى واحدة من أكثر القضايا حضورًا في المشهد الثقافي الراهن: إذا أصبحت الخوارزمية قادرة على المشاركة في إنتاج النص والصورة والموسيقى، فكيف يُعاد تعريف الإبداع الإنساني؟
حين تدخل الخوارزمية إلى الفن والكتابة
في الجلسة الرابعة «ماذا بعد؟ مساحات للتأمل»، التي أدارها د. علي شرف، اتسع نطاق الأسئلة ليشمل اللغة والعمل والفن والجمال والمرأة والكتابة.
وتناول د. محمد علي الزهراني «الوجود المشروط: اللغة والعمل وإعادة تشكيل الإنسان المعاصر»، فيما اقترب أ. مرضي الشهاب من واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الثقافة المعاصرة، عبر بحثه «أثر هوية المنتج في القيمة الاستطيقية للفن: دراسة في تلقي العمل الأدبي بين الإنتاج البشري والتوليد الاصطناعي».
وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بقدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج نص أو صورة فحسب، بل يتقدم خطوة أخرى: هل تتحدد قيمة العمل الفني بما هو عليه، أم تتأثر كذلك بهوية من أنتجه وتجربته وسياقه الإنساني؟
وهو سؤال يعيد فتح النقاش حول معنى المؤلف والفنان والمبدع، في عصر أصبحت فيه الآلة قادرة على محاكاة الأساليب وإنتاج محتوى جديد خلال لحظات.
وفي سياق آخر، ناقشت أمي الناهض موضوع «السياق نحو الكمال: المرأة بين الكمال المثالي والكمال الواقعي»، بينما تناولت أ. عفاف عداوي أحمد «ما بعد الكشف الآلي للكتابة»، لتلتقي الكتابة مرة أخرى مع التكنولوجيا، لا بوصفها أداة مساعدة فقط، وإنما باعتبارها طرفًا جديدًا في عملية الإنتاج والكشف والتحليل.
أين نحن؟ سؤال المكان واللغة والوعي
اختتم الملتقى جلساته بالجلسة الخامسة «أين نحن؟ الفلسفة بين وعود السكن وإمكانات الهرب»، التي أدارها أ. يزيد السيد.
وقدم أ.د. عبدالله المطيري موضوع «المكان في الوجود التقني المعاصر»، ليعود سؤال المكان في زمن أصبحت فيه حياة الإنسان موزعة بين فضاء مادي يعيش فيه، وفضاء رقمي يتعلم ويعمل ويتواصل وينتج داخله.
أما أ. علي الرماح، فناقش «الهروب من اللغة.. ليس باللغة وحدها يحيا الإنسان»، بينما طرحت أ. وجدان الياسين واحدًا من أكثر الأسئلة اتصالًا بما سبق من نقاشات، من خلال موضوع «لماذا يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى الفلسفة؟ قراءة فلسفية في حدود الذكاء والوعي والأخلاق».
وهنا تتجمع خيوط الملتقى في سؤال واحد: إذا كانت الآلة قادرة على التعلم والتوليد والمحاكاة ومعالجة كمّ هائل من المعلومات، فأين تبدأ حدود الذكاء وتنتهي حدود الوعي؟ وهل يكفي امتلاك القدرة على إنتاج إجابة لكي نمنح الآلة معنى الفهم، أو الوعي، أو المسؤولية الأخلاقية؟
الفلسفة الخليجية وهي تنظر إلى المستقبل
تكشف خريطة الملتقى أن الفلسفة، في هذا السياق، لم تُطرح باعتبارها حقلًا منعزلًا عن الواقع الخليجي، بل باعتبارها أداة للنظر في التحولات التي يعيشها المجتمع.
ففي البرنامج حضور واضح لأسئلة المجتمع السعودي المعاصر، والهوية والقيم، والثقافة الإسلامية، والتجربة الخليجية، والتربية، والفن، واللغة، إلى جانب أسئلة أكثر اتصالًا بالتحولات العالمية، مثل الذكاء الاصطناعي، والخوارزميات، والرأسمالية الرقمية، وما بعد الإنسانية.
ومن هنا جاءت أهمية الجمع بين أسماء وموضوعات تنتمي إلى حقول متباينة، لكنها تلتقي عند الإنسان بوصفه مركز السؤال.
فالغزالي يظهر في مواجهة الأخبار الكاذبة، والرأسمالية الرقمية تدخل في صراع مع المعنى، وما بعد الإنسانية تضع رفاه الإنسان أمام مآزقه الأخلاقية، والسيبورغ يعيد طرح حدود الجسد، والخوارزمية تدخل إلى منطقة الإبداع، بينما تستعيد الفلسفة سؤال المكان واللغة والتربية والهوية.
إنها، في جوهرها، محاولة لقراءة زمن تتغير فيه الأدوات بسرعة، بينما تظل الأسئلة الأساسية عن المعرفة والمعنى والقيمة والهوية والوجود أكثر إلحاحًا.
من «ماذا نفعل؟» إلى «أين نحن؟»
ولعل البناء العام للملتقى هو أحد أكثر عناصره دلالة؛ إذ تحركت جلساته من سؤال «العالم يتغير.. ماذا نفعل؟» إلى «ما الذي لا يزال ممكنًا؟»، ثم «من يتحدى من؟»، وصولًا إلى «ماذا بعد؟»، وانتهاءً بسؤال «أين نحن؟».
وهذا التسلسل يحول البرنامج من مجموعة أوراق منفصلة إلى مسار فكري يمكن قراءته بوصفه رحلة من تشخيص التحول إلى مساءلة الإنسان داخله.
فالفلسفة هنا لا تقدم إجابة جاهزة عن مستقبل الذكاء الاصطناعي، ولا تحاول منافسة التكنولوجيا في قدرتها على إنتاج الحلول، وإنما تقوم بوظيفتها الأقدم والأكثر إلحاحًا: أن تتوقف عند السؤال الذي يسبق الحل.
كيف نعرف؟
كيف نعيش؟
كيف نحافظ على هويتنا؟
ما الذي يجعل الإبداع إنسانيًا؟
كيف نربي الإنسان في العصر الرقمي؟
هل يمكن أن يكون للآلة ذكاء بلا وعي؟
وهل يمكن أن يكون هناك وعي بلا أخلاق؟
أسئلة خرجت من القاعات إلى فضاء أوسع، لتؤكد أن حضور الفلسفة في العالم المعاصر لا يرتبط بالعودة إلى الماضي بقدر ما يرتبط بالقدرة على قراءة المستقبل من خلال الإنسان.
وفي هذا المعنى، قدم الملتقى الفلسفي الخليجي الأول مساحة تجمع بين المحلي والعالمي، وبين التراث والتقنية، وبين سؤال الهوية وسؤال المستقبل؛ لتبقى الفلسفة، في نهاية المطاف، أقل اهتمامًا بالتنبؤ بما سيحدث، وأكثر اهتمامًا بتدريب الإنسان على أن يسأل: ما الذي يحدث لنا الآن؟ ولماذا؟ وإلى أي معنى يقودنا؟