علي بن عبدالله علي الوهابي
من بين الموضوعات التي مرت على في قراءاتي خلال الفترة الماضية استوقفني موضوع لم أكن أتصور أن وراءه هذا القدر من التفاصيل والأسئلة وهو علم ما فوق الجينات وعلاقته بالشيخوخة.
شدني الموضوع ليس لأنه يعد الإنسان بشباب دائم فهذه الوعود كثيرة وإنما لأن الفكرة نفسها تفتح بابًا مختلفًا للتفكير في أجسامنا هل ما نرثه من جينات يحدد كل شيء أم أن هناك مساحة يمكن أن تتأثر بما نفعله ونأكله ونعيشه طوال سنوات عمرنا؟
متى تبدأ الشيخوخة؟
هل تبدأ عندما تظهر أول شعرة بيضاء؟ أم عندما تتراجع قوة العضلات ويصبح صعود الدرج أكثر مشقة؟ أم أن الحكاية تبدأ في مكان أعمق بكثير داخل الخلايا قبل أن نلاحظ نحن أي شيء؟
من هنا بدأت أقرأ أكثر عن هذا العلم..
الفكرة ببساطة أن الإنسان لا يعيش بجيناته وكأنها تعليمات جامدة لا تتغير طريقة عملها فالجينات موجودة داخل خلايانا لكن الخلية تستطيع أن تزيد نشاط بعض الجينات أو تخفضه وهناك علامات كيميائية تساعدها في ذلك وهذه العلامات تتأثر بما يحدث حولنا وداخلنا..
الغذاء والحركة والنوم والتوتر والتدخين والعمر والبيئة كلها عوامل تدخل في هذه الصورة المعقدة ولذلك أصبح العلماء ينظرون إلى الشيخوخة بطريقة مختلفة قليلًا عما كان عليه الحال في السابق
لسنا نتحدث عن تغيير الـDNA الذي ورثناه من آبائنا وإنما عن تغيير في الطريقة التي تستخدم بها الخلايا بعض التعليمات الموجودة فيه وهنا يبدأ السؤال الأكثر إثارة هل يمكن أن نتدخل في هذه العملية ونبطئ الشيخوخة؟
حتى الآن لا توجد إجابة تسمح لنا بأن نقول إن الإنسان يستطيع إيقاف الشيخوخة أو استعادة شبابه لكن الأبحاث بدأت تقدم إشارات تستحق الاهتمام..
من بين الأدوات التي طورها العلماء ما يسمى الساعات فوق الجينية وهي تعتمد على أنماط معينة من التغيرات الكيميائية في الـDNA وتحاول من خلالها تقدير العمر البيولوجي للإنسان.. والعمر البيولوجي ليس بالضرورة هو العمر الذي نحتفل به كل عام قد تجد شخصين في الستين من العمر لكن حالة جسميهما وقدرة أعضائهما على أداء وظائفها قد تختلف وهذا الاختلاف هو أحد الأمور التي يحاول العلماء فهمها لكن من الخطأ أن نذهب بهذه الفكرة إلى القول إن جهازًا يستطيع أن يخبرنا بأن عمرنا الحقيقي 52 عامًا بينما عمرنا في الهوية 60 عامًا المسألة أكثر تعقيدًا من ذلك وهذه الساعات ما زالت أدوات بحثية وليست ميزانًا نهائيًا للعمر أو ضمانًا لطول الحياة
ومن أكثر الدراسات التي لفتت انتباهي في هذا المجال دراسة بحثت تأثير تقليل السعرات الحرارية على الشيخوخة..النتائج أشارت إلى تباطؤ بسيط في أحد مؤشرات الشيخوخة البيولوجية لدى المشاركين
قد لا يبدو الأمر ثوريًا للقارئ لكنه بالنسبة للباحثين يحمل معنى مهمًا.. بعض المؤشرات المرتبطة بالشيخوخة ربما تكون قابلة للتأثر ومع ذلك يجب ألا نحول النتيجة إلى وعد تجاري..الدراسة لم تقل إن الإنسان أصبح أصغر سنًا ولم تثبت أن تقليل الطعام سيضيف عددًا معينًا من السنوات إلى عمره وهنا تحديدًا تظهر المشكلة في بعض ما ينشر عن إبطاء الشيخوخة فما إن يظهر بحث علمي عن الجينات أو الخلايا حتى تظهر منتجات تقول إنها تعيد الساعة إلى الوراء أو تصلح الخلايا أو تعيد الشباب وبين النتيجة العلمية والعبارة التسويقية أحيانًا مسافة واسعة جدًا حتى المواد التي يتكرر الحديث عنها في مجال مكافحة الشيخوخة مثل NMN وNAD+ وغيرها لا تزال بحاجة إلى أدلة أقوى قبل أن نستطيع القول إنها علاج مثبت للشيخوخة
لكن إذا كان كل ذلك لا يزال تحت البحث فماذا يستطيع الإنسان أن يفعل الآن؟
ربما البداية أبسط مما نتخيل
أن نبدأ من طبق الطعام.. وحين نتأمل الـDNA بتمعن، نكتشف أن لديه خريطة متفردة لا تكتفي بتنظيم حياتنا فحسب بل تبين بدقة ما ينفع أجسادنا وما يضرها فبدلاً من أن نتبع أنظمة غذائية عامة قد تناسب غيرنا ولا تناسبنا تصبح الخريطة الجينية بمثابة «الدليل الشخصي» الذي يخبرنا كيف يتعامل أجسادنا مع كل لقمة أو شربة.
وهذا ما يدخلنا في عالم «التغذية الجينية الدقيقة» حيث يمكن لتحليل الـDNA أن يرسم للمرء برنامجاً غذائياً متكاملاً يتناغم مع خصائصه الفريدة عبر محاور عدة:
كفاءة استقلاب العناصر(مدى الاستفادة من العناصر الغذائية) : يوضح التحليل كيف يستجيب جسمك للنشويات والدهون، وهل يحرقها بفاعلية أم يخزنها ليُحدد النسبة الأنسب لكل عنصر في طبقك.
التعامل مع الفيتامينات والمعادن: تكشف الجينات عما إذا كان الجسم يعاني من استعداد لضعف امتصاص بعض الفيتامينات (مثل فيتامين D أو مجموعة فيتامينات B) مما يتيح التركيز عليها بوعي بدلاً من تناول المكملات عشوائياً.
الاستجابة للمنبهات والسموم: يوضح الجينوم مدى كفاءة الكبد وأنزيماته في التعامل مع مواد مثل الكافيين أو الملح أو بعض المركبات مما يحدد ما ينفعك وما قد يمثل عبئاً خفياً على أعضائك.
تحديد الأنماط الرياضية والغذائية: حتى نوع الرياضة أو نظام الصيام الذي يستجيب له جسمك ويحرق به الدهون بفاعلية أكبر يمكن أن تتضح مؤشراته عبر هذه الخريطة.
إنه برنامج غذائي لا يقف عند حدود السعرات البحتة بل ينطلق من هوية الجسد الخالصة ليكون تفصيلًا دقيقًا يعين الإنسان على إطعام خلاياه بما يعزز صحتها ويطيل أمد حيويتها واستقلالها.
وأحب أن أسميها ببساطة قاعدة الطبق ذي الألوان الأربعة أن نحاول أن يحتوي طعامنا على أربعة ألوان طبيعية مختلفة على الأقل أخضر من الخضروات وأحمر أو برتقالي من الطماطم أو الجزر أو الفلفل مثلًا ولون من الحبوب أو البقول ولون من مصادر البروتين أو الأطعمة الطبيعية الأخرى.
الفكرة ليست في الألوان بحد ذاتها وإنما في التنوع الذي تقودنا إليه فكل لون غالبًا ما يعني مجموعة مختلفة من العناصر الغذائية والمركبات النباتية بدل أن يكون طبقنا قائمًا على صنف واحد أو على النشويات وحدها..قد تبدو الفكرة بسيطة جدًا أمام الحديث عن الجينات والخلايا والساعات البيولوجية لكنها في رأيي هي النقطة التي يجب أن نعود إليها
فإذا كان ما نأكله يؤثر في أجسامنا وإذا كانت التغذية واحدة من العوامل التي يدرس العلماء علاقتها بالشيخوخة فلماذا لا نبدأ من الشيء الذي نفعله كل يوم؟
لا نحتاج في البداية إلى حساب كل جرام ولا إلى شراء منتجات تحمل أسماء علمية معقدة نبدأ من الطبق أربعة ألوان تنوع أكبر طعام أقل تصنيعًا وحصة معقولة
ثم تأتي الحركة فالشيخوخة لا تظهر في الوجه فقط تظهر بوضوح عندما يبدأ الإنسان بفقدان قوته وقدرته على الحركة المشي والنشاط البدني وتمارين المقاومة ليست مجرد وسائل للمحافظة على اللياقة بل جزء أساسي من الحفاظ على استقلال الإنسان كلما تقدم في العمر
ثم أن الجسم لا يتوقف عن العمل أثناء النوم بل تحدث خلاله عمليات إصلاح وتنظيم مهمة ولذلك فإن النوم المنتظم والجيد ليس رفاهية يمكن التضحية بها باستمرار ثم البحث عن مكمل يعوضها
وهناك أمر آخر قد يبدو بسيطًا لكنه مهم جدًا الابتعاد عن التدخين لمن يدخنثم تأتي الفحوصات الطبية المنتظمة ومعالجة المشكلات الصحية مبكرًا فالحفاظ على ضغط الدم والسكر والدهون وصحة القلب والكلى وغيرها ضمن الحدود المناسبة ليس له اسم جذاب مثل إعادة برمجة الخلايا لكنه في الواقع أكثر أهمية لصحة الإنسان من معظم الشعارات التي نسمعها عن الشباب الدائم..أما الصيام والمكملات والمواد التي تدرس حاليًا في مختبرات الشيخوخة فيمكن النظر إليها باعتبارها مجالات بحث واعدة لا باعتبارها حلولًا مؤكدة وربما هنا تكمن المفارقةفنحن نبحث عن طريقة معقدة لهزيمة الشيخوخة بينما قد يكون جزء كبير من الحل في أشياء بسيطة نعرفها منذ سنوات لكننا لا نلتزم بها..العلم لم يمنحنا حتى الآن القدرة على إيقاف الساعة لكنه بدأ يفهمها بصورة أفضل وربما يكون هذا هو التغيير الحقيقي الذي أحدثه علم ما فوق الجينات أنه جعل العلماء ينظرون إلى الشيخوخة باعتبارها عملية يمكن دراسة تفاصيلها والتأثير في بعض مساراتها وليس مجرد رقم يزيد كل عام.
ومن خلال ما قرأته خرجت بانطباع بسيط لسنا بحاجة إلى انتظار اكتشاف دواء يعيد الشباب حتى نبدأ بالاهتمام بأجسامنا
ربما نستطيع أن نبدأ من اليوم من الطعام الذي نضعه أمامنا ومن الحركة التي نمارسها ومن النوم الذي نهمله أحيانًا ومن العادات التي نعرف أنها تضرنا.
لا أعتقد أن الإنسان يحتاج إلى أن يبحث عن الخلود ما نحتاجه هو شيء أكثر واقعية أن نصل إلى أعمار متقدمة ونحن قادرون على الحركة والتفكير والعمل والعيش باستقلال وأن تكون السنوات التي نكسبها سنوات حياة حقيقية وليست مجرد زيادة في الرقم وربما يكون هذا هو المعنى الحقيقي لمقاومة الشيخوخة ليس أن نوقف الزمن وإنما أن نكسب أكبر قدر ممكن من الصحة قبل أن يأخذ الزمن نصيبه منا.