صبحي شبانة
ليست كل الاعتداءات تستدعي ردًا سريعًا، فبعضها يحتاج إلى قراءة ما وراءه قبل تحديد الموقف منه، وهذا هو بالضبط ما فعلته المملكة في تعاملها مع الاستهداف الأخير لأنبوب النفط انطلاقًا من الأراضي العراقية، إذ لم تنظر الرياض إلى الاعتداء باعتباره حادثًا عابرًا ينتهي بإدانة أو رد فعل، وإنما قرأته في سياقه الأوسع: اعتداء ينطلق من أرض دولة جارة، وميليشيا تتحرك خارج مؤسسات الدولة، وحكومة عراقية تعلن رغبتها في استعادة قرارها، وفي المقابل واقع إقليمي معقد تتشابك فيه الحسابات الإيرانية مع أدوار هذه الفصائل، لذلك اختارت المملكة أن تمنح بغداد فرصة، لا أن تمنح الفوضى ذريعة، وأن تترك للدولة العراقية الوقت الكافي لتثبت أن أراضيها لن تتحول إلى منصة للاعتداء على جيرانها، وأن قرار الحرب والسلم يعود إلى مؤسسات الدولة وحدها، وهنا تحديدًا تظهر قيمة الحكمة السعودية: فالتريث ليس ضعفًا، والصبر ليس تنازلًا، ومنح الوقت ليس قبولًا بالأمر الواقع، وإنما قد يكون في بعض اللحظات أكثر أدوات القوة تأثيرًا، لأنه يضع الدولة أمام مسؤوليتها ويمنحها فرصة حقيقية لإثبات قدرتها على لجم الميليشيا واستعادة قرارها.
ومنذ توليه رئاسة الوزراء، لم يتردد علي الزيدي في التعبير عن قناعة واضحة بأن العراق لن يبلغ الاستقرار والازدهار ما لم تسترد الدولة ما سُلب من صلاحياتها وقرارها، وأن يصبح السلاح تحت سلطة المؤسسات الشرعية دون سواها، وهذا الطرح ليس جديدًا في الخطاب السياسي العراقي، فقد سبق أن رفعته حكومات متعاقبة، لكن دلالته اليوم تبدو أكثر أهمية، لأن كلفة استمرار تعدد مراكز القوة والقرار لم تعد داخلية فقط، بل أصبحت تمتد إلى علاقات العراق بجيرانه وإلى أمن المنطقة بأكملها، غير أن المسافة بين الشعار والتطبيق في العراق لا تُقاس بحسن النيات، وإنما بمدى قدرة الدولة على تحويل إرادتها السياسية إلى واقع، وهو أمر بالغ الصعوبة في بيئة أصبحت فيها بعض الفصائل المسلحة جزءًا من معادلة إقليمية أوسع، وليس مجرد ظاهرة أمنية داخلية، فالقضية ليست فقط في وجود السلاح خارج المؤسسة العسكرية، وإنما في السؤال الأهم: من يملك قرار استخدامه؟، ومن يملك حق تحديد متى يُستخدم، وضد من، ولماذا؟، فعندما تنطلق مسيّرات من الأراضي العراقية لاستهداف منشأة في دولة جارة، فإن المسألة تتجاوز حدود العملية العسكرية ذاتها إلى جوهر السيادة العراقية، لأن الدولة التي لا تستطيع منع استخدام أراضيها في الاعتداء على جيرانها تجد نفسها أمام أكثر من مركز لاتخاذ القرار، وهو وضع لا يمكن أن يستقيم طويلًا مع مفهوم الدولة الحديثة، ولا مع حق العراق في أن تكون له سياسة خارجية وأمنية مستقلة تعبر عن مصالحه الوطنية.
وفي المقابل، تتعامل إيران مع هذا الملف بمنطق مختلف، فالسلاح الذي تحمله الفصائل الحليفة لها في العراق، كما هو الحال مع سلاح حزب الله في لبنان، لا يُنظر إليه في العقيدة الإيرانية باعتباره مجرد سلاح خارج مؤسسات الدولة يمكن تسليمه متى طلبت الحكومة، وإنما باعتباره جزءًا من منظومة المقاومة وأداة من أدوات النفوذ والردع، ومن هنا يصبح الخلاف أعمق من مجرد خلاف على تنظيم السلاح، لأنه يتعلق بمن يملك القرار النهائي في لحظة الصراع، وهل تكون الكلمة الأخيرة للدولة أم للميليشيا التي تتحرك خارج مؤسسات الدولة، ولذلك ظل شعار استعادة الدولة لقرارها مؤجلًا في العراق ولبنان، رغم تكراره على مدى سنوات طويلة، وعندما تتزامن عمليات إطلاق المسيّرات من الأراضي العراقية مع تحركات الحوثيين قرب باب المندب، فإن قراءة المشهد في إطار منفصل لكل ساحة قد تخفي الرابط الأوسع، فالحرب قد تتوقف رسميًا في بعض الجبهات، لكن أدوات الضغط لا تتوقف بالضرورة، وقد تنتهي المواجهة المباشرة بينما تبقى القدرة على تحريك الوكلاء واستخدام الممرات الحيوية والمنشآت الاقتصادية جزءًا من أدوات الصراع، وهنا تظهر إحدى أكثر القضايا تعقيدًا في المشهد الإقليمي، وهي أن أي تفاهم بين طهران وواشنطن لا يعني بالضرورة أن جميع الملفات الإقليمية قد دخلت مرحلة التسوية، ولا يعني أن حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة أصبحوا بمنأى عن الضغوط، فإيران تستطيع أن تفصل بين علاقتها بواشنطن وعلاقتها بجيرانها، وأن تستخدم الساحات المحيطة بها أوراقًا تفاوضية عندما ترى أن ذلك يخدم مصالحها.
ومن هنا تتضح قيمة الموقف السعودي، فالرياض لم تتعامل مع الاعتداء باعتباره فرصة لتوسيع دائرة الخصومة، ولم تضع العراق كله في خانة المسؤولية بسبب سلوك فصيل مسلح، وإنما أبقت الباب مفتوحًا أمام الدولة العراقية لكي تثبت قدرتها على حماية أراضيها ومنع استخدامها في استهداف دولة جارة، وهذا ليس تهاونًا ولا ترددًا، بل هو إدراك لطبيعة المرحلة التي يمر بها العراق، ولحجم التعقيدات التي تواجه حكومة تريد أن تستعيد القرار من بين أيدي قوى مسلحة راكمت نفوذًا سياسيًا وأمنيًا على مدى سنوات، فإضعاف بغداد أو دفعها إلى الزاوية لن يؤدي بالضرورة إلى تقوية الدولة، بل قد يمنح خصومها فرصة جديدة لتكريس العراق باعتباره ساحة للصراع الإقليمي بدل أن يكون دولة صاحبة قرار.
المملكة بحكمتها المعهودة لا تمنح الفصائل وقتًا، وإنما تمنح الدولة العراقية فرصة، وهذه نقطة جوهرية ينبغي التوقف عندها، فالرياض تدرك أن استعادة القرار العراقي ليست مسألة يمكن حسمها ببيان سياسي أو بإجراء أمني مؤقت، وإنما عملية تحتاج إلى إرادة سياسية متماسكة وقدرة مؤسساتية وشجاعة في مواجهة القوى التي اعتادت العمل خارج القرار الرسمي، ولذلك فإن منح بغداد الوقت الكافي ليس تنازلًا عن الحق في حماية الأمن السعودي، وإنما هو اختبار عملي لجدية الدولة العراقية في القيام بمسؤولياتها، فكلما نجحت بغداد في منع تكرار هذه العمليات، أثبتت أن لديها القدرة على حماية سيادتها وعلاقاتها بجيرانها، وكلما تكرر الاعتداء من الأراضي العراقية دون قدرة على منعه، اتسعت الفجوة بين ما تقوله الحكومة وما تستطيع فعله.
وقد بادر رئيس الوزراء العراقي بعد وقوع الاعتداء إلى اتخاذ إجراءات سياسية وميدانية في محاولة للتأكيد أن بغداد لا تقبل استخدام أراضيها منصة لاستهداف دولة جارة، وأنها جادة في التعامل مع الجهات التي تقف وراء مثل هذه العمليات، وهذه الخطوات تستحق أن تُقرأ بإيجابية، لكنها لا تكفي وحدها، لأن القضية ليست في رد فعل يأتي بعد كل اعتداء، وإنما في بناء سياسة ثابتة تمنع الاعتداء قبل وقوعه، وتفرض على أي جهة مسلحة أن تدرك أن الأراضي العراقية ليست مساحة مفتوحة لتنفيذ أجندات الآخرين، ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي أمام الحكومة العراقية هو أن يتحول الإجراء المؤقت إلى قاعدة، وأن يصبح ضبط السلاح مسؤولية دائمة للدولة، لا استجابة مرتبطة بحجم الضغوط أو طبيعة الظرف السياسي.
والمشهد العراقي، في جوهره، لا ينفصل عن التفاهم الإيراني الأمريكي الأوسع، فكثير من الملفات التي تبدو وكأنها حُسمت ليست سوى ملفات جرى تأجيلها أو تجميدها، والتفاهمات التي تُبرم بين القوى الكبرى لا تعني بالضرورة انتهاء الخلافات، وإنما قد تعكس أحيانًا رغبة الأطراف في إدارة الخلاف بدل حسمه، وفي العراق تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا، لأن مشروع استعادة الدولة لقرارها يصطدم بمصالح قوى ترى أن استمرار نفوذها المسلح يمثل ضمانة لموقعها داخل المعادلة العراقية والإقليمية، ولذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت الحكومة العراقية تريد حصر السلاح بيد الدولة، وإنما بما إذا كانت قادرة على تنفيذ ذلك في مواجهة من يعتبرون هذا السلاح جزءًا من منظومة نفوذ تتجاوز الحدود العراقية.
وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل تستطيع واشنطن أن تحافظ على تفاهماتها مع طهران بينما تتعرض مصالح حلفائها الإقليميين لاستهداف مباشر ومتكرر؟، وهل تستطيع بغداد أن تمضي في مشروع استعادة قرار الدولة بينما تظل الفصائل المسلحة قادرة على استخدام الأراضي العراقية في توجيه رسائل عسكرية إلى الخارج؟ هذه الأسئلة لا تملك حتى الآن إجابات نهائية، لكنها تكشف أن المنطقة لم تدخل بعد مرحلة الاستقرار الشامل، وأن ما يبدو في بعض الأحيان تسوية قد لا يكون أكثر من هدنة مؤقتة قابلة للاختبار عند أول أزمة جديدة، وفي مثل هذه البيئة يصبح العراق أحد أهم ميادين اختبار قدرة الدولة على الفصل بين مصالحها الوطنية وبين حسابات القوى الإقليمية.
غير أن الصبر السعودي مهما اتسع ليس بلا حدود، فالرياض لا تمنح وقتًا مفتوحًا، ولا يمكن أن يتحول التريث إلى غطاء لاستمرار الاعتداءات، والحكمة هنا ليست في الانتظار إلى ما لا نهاية، وإنما في إعطاء الفرصة لمن يستطيع أن يثبت جديته، ثم الحكم على النتائج، وما تنتظره المملكة من بغداد ليس بيانات الإدانة ولا الإجراءات الشكلية، وإنما نتائج ملموسة على الأرض، تبدأ بمنع استخدام الأراضي العراقية في الاعتداء على دول الجوار، وملاحقة المتورطين، وتعزيز السيطرة على مسارات إطلاق المسيّرات، وصولًا إلى بناء تصور واضح لحصر قرار الحرب والسلم داخل مؤسسات الدولة، وبقدر ما تنجح بغداد في تحقيق ذلك، بقدر ما تفتح لنفسها طريقًا جديدًا نحو محيطها العربي، لأن العراق القوي والمستقر ليس خصمًا للمملكة ولا لدول الخليج، بل هو مصلحة مشتركة للجميع، والعلاقة بين الرياض وبغداد يمكن أن تصبح واحدة من ركائز الاستقرار الإقليمي إذا قامت على قاعدة واضحة: عراق يملك قراره، وجوار يحترم سيادته، وأرض لا تستخدم منصة لاستهداف الآخرين، وهذه هي المعادلة التي يمكن أن تخرج العراق من حالة الاستقطاب إلى مساحة أوسع من التعاون العربي، بدل أن يبقى رهينة لتوازنات السلاح والنفوذ.
وفي نهاية المطاف، فإن إيران لا تدير سياستها الإقليمية بمنطق الربح والخسارة الآنيين، وإنما بمنطق الزمن الطويل، وهي تر اهن على أن ما لا تستطيع تحقيقه اليوم قد يصبح ممكنًا غدًا، وأن الأوراق التي تبدو ساكنة يمكن تحريكها عندما تتغير الظروف، سواء في اليمن أو العراق أو لبنان، وإدراك الرياض لهذا المنطق هو أحد أسباب حكمتها في إدارة الملف، فهي لا تمنح بغداد الوقت من باب الغفلة عن تعقيدات المشهد، ولا تتعامل مع الصبر باعتباره ضعفًا، وإنما تراهن على أن الدولة العراقية إذا مُنحت الفرصة يمكنها أن تستعيد تدريجيًا موقعها الطبيعي وتفرض قرارها على أرضها، لكن هذه الفرصة تحمل في الوقت نفسه رسالة واضحة، فالرياض لا تطلب من بغداد أن تدخل حربًا بالنيابة عنها، ولا تطلب منها أن تصطف في مواجهة طرف إقليمي، وإنما تطلب شيئًا أبسط وأعمق: أن تكون الدولة هي صاحبة القرار في أراضيها، وأن تمنع استخدام جغرافيتها في الاعتداء على جيرانها، وهذا في النهاية ليس مطلبًا سعوديًا فقط، بل هو أبسط تعريف للسيادة.
لقد منحت المملكة بغداد وقتها، لا لأنها تتردد في حماية أمنها ومصالحها، وإنما لأنها تدرك أن استقرار العراق واستعادة دولته لقرارها مصلحة عربية لا ينبغي التفريط فيها، غير أن الوقت الذي تمنحه الرياض ليس مهلة بلا نهاية، وإنما فرصة حقيقية أمام بغداد لتثبت أن أراضي العراق ليست منصة للاعتداء على جيرانه، وأن قرار الحرب والسلم لا يمكن أن يكون خارج مؤسسات الدولة، فإذا نجحت بغداد في تحويل هذه الفرصة إلى واقع، فإنها لن تمنع عن المملكة اعتداءاً جديداً فحسب، بل ستفتح لنفسها طريقًا لاستعادة سيادتها ومكانتها الطبيعية في محيطها العربي، أما إذا استمرت الاعتداءات وظل السلاح أقوى من الدولة، فإن ما منحته الرياض من وقت لن يبقى إلى ما لا نهاية، لأن الحكمة لا تعني التنازل عن الحق، والصبر لا يعني قبول الأمر الواقع، وفي النهاية، ستظل الرسالة السعودية واضحة: نمنح الدولة العراقية فرصة لتثبت قدرتها، لكننا لا نمنح الفوضى فرصة لتصبح أمرًا واقعًا.