د. هبة توفيق أبو عيادة
قد يحمل الإنسان أعلى الشهادات، ويجلس في أرقى المجالس، ويتحدث بلغة العلم، ويملأ صفحاته بالمؤلفات والأبحاث، ثم يسقط في موقف واحد، حين يتعامل مع الآخرين بلا احترام، أو يتكبر على من هو أقل منه علمًا، أو يستخدم معرفته لإهانة إنسان أو التقليل من شأنه. عندها يحق لنا أن نسأل: ماذا ينفعك العلم إذا لم يهذّبك؟
إن العلم الحقيقي لا يُقاس بعدد الشهادات المعلقة على الجدران، ولا بعدد الألقاب التي تسبق الأسماء، ولا بكمية المعلومات التي يستطيع الإنسان استعراضها أمام الآخرين. فالمعرفة التي لا تغيّر صاحبها من الداخل، ولا تجعله أكثر تواضعًا ورحمة وعدلًا وإنصافًا، قد تتحول إلى مجرد تراكم للمعلومات بلا أثر، وربما تصبح وسيلة للغرور بدل أن تكون طريقًا للنضج.
ولهذا أدرك العلماء قديمًا أن الأدب ليس أمرًا هامشيًا يأتي بعد العلم، وإنما هو الباب الذي ينبغي أن يُفتح قبله. فطالب العلم لا يحتاج فقط إلى أن يتعلم كيف يقرأ ويبحث ويناقش ويحلل، بل يحتاج قبل ذلك إلى أن يتعلم كيف يحترم معلمه، وكيف يختلف مع غيره دون إساءة، وكيف يعترف بخطئه، وكيف ينسب الفضل إلى أصحابه، وكيف يعرف أن جهله ببعض الأمور لا ينتقص من قدره.
كان الأدب في مفهوم العلماء أوسع بكثير من مجرد حسن الكلام. كان يعني تهذيب النفس، وضبط اللسان، واحترام الآخرين، والتواضع للحق، والابتعاد عن التعصب والغرور. ولذلك لم يكن غريبًا أن يهتم السابقون بتربية طالب العلم قبل إغراقه في الكتب والمسائل؛ لأنهم كانوا يدركون أن المعرفة إذا دخلت إلى نفس غير مهذبة قد تزيدها غرورًا بدل أن تزيدها بصيرة.
والمشكلة اليوم ليست في أن الناس يتعلمون كثيرًا، بل في أن بعضهم يتعلمون دون أن يتغيروا. نرى من يحمل الشهادات العليا لكنه لا يعرف كيف يستمع. ومن يكتب عن الأخلاق وهو يسيء إلى الآخرين. ومن يدرّس التسامح لكنه لا يحتمل رأيًا مخالفًا. ومن يتحدث عن احترام الإنسان ثم يقيس الناس بمناصبهم وأموالهم وشهاداتهم.
وهنا تصبح المعرفة عبئًا على صاحبها بدل أن تكون قيمة مضافة إليه؛ لأن الإنسان كلما ازداد علمًا، يفترض أن يزداد إدراكًا لحدود معرفته. فالعالم الحقيقي لا يرى نفسه مالكًا للحقيقة كلها، بل يدرك أن في الحياة مساحات واسعة مما لا يعرفه. ولذلك يكون أكثر تواضعًا، وأكثر إنصاتًا، وأقل حاجة إلى إثبات ذاته في كل مجلس.
إن أجمل ما يفعله العلم بالإنسان أن يجعله أكثر إنسانية. أن يتعلم فيصبح أكثر رحمة بالفقراء، وأكثر احترامًا للضعفاء، وأكثر عدلًا مع المختلفين، وأكثر حرصًا على ألا يؤذي أحدًا بكلمة أو موقف. أن يصبح علمه سلوكًا لا شعارًا، وأخلاقًا لا استعراضًا، ومسؤولية لا وسيلة للتعالي.
ولعل أخطر صور العلم حين يتحول إلى أداة للمقارنة بين الناس. فهذا يحمل شهادة أعلى، وذاك منصبه أكبر، وثالث يملك مؤلفات أكثر، ورابع يتحدث بثقة أكبر؛ وكأن قيمة الإنسان أصبحت في رصيده الأكاديمي. والحقيقة أن الشهادة قد تفتح لك بابًا، لكنها لا تمنحك بالضرورة مكانة في قلوب الناس. ما يبقى في ذاكرة الآخرين ليس كم لقبًا حملت، وإنما كيف جعلتهم يشعرون وهم بالقرب منك.
نحتاج اليوم إلى أن نعيد الاعتبار لفكرة أدب العلم فالمؤسسة التعليمية لا ينبغي أن تكون مصنعًا للشهادات فقط، بل فضاءً لبناء الإنسان. والمدرس لا يعلّم طلابه من خلال المقرر وحده، وإنما من خلال سلوكه أيضًا والجامعة التي تخرج متخصصًا بارعًا لكنه عاجز عن احترام المختلف، أو التعاون مع زملائه، أو تحمل المسؤولية الأخلاقية، لم تحقق رسالتها كاملة. فليس المطلوب أن نختار بين العلم والأدب، بل أن نفهم أن العلم بلا أدب ناقص، والأدب بلا علم قد يفتقر إلى أدوات التأثير. وحين يجتمع الاثنان، يصبح الإنسان أكثر قدرة على صناعة الخير، وأكثر استحقاقًا للثقة، وأكثر نفعًا لمجتمعه.
في الختام، لا تسأل فقط: ماذا تعلمت؟ اسأل نفسك سؤالًا أكثر قسوة: ماذا غيّر العلم فيك؟ هل جعلك أكثر تواضعًا أم أكثر غرورًا؟ أكثر رحمة أم أكثر قسوة؟ أكثر إنصافًا أم أكثر تعصبًا؟ أكثر قدرة على الاعتذار أم أكثر إصرارًا على الخطأ؟ فإذا كان العلم قد زاد معلوماتك ولم يزد أخلاقك، فقد حفظت كثيرًا ولم تتعلم بما يكفي. أما حين يهذب العلم قلبك، ويضبط لسانك، ويهدي سلوكك، ويجعلك أكثر نفعًا للناس، فهناك فقط يصبح العلم نورًا لصاحبه، لا مجرد شهادة تحمل اسمه. لذلك، قبل أن نسأل أبناءنا: كم حفظتم؟ وكم حصلتم؟ وما الشهادة التي ستنالونها؟ علينا أن نسألهم أولًا: أي إنسان تريدون أن تكونوا؟ لأن العلم قد يصنع خبيرًا، لكن الأدب هو الذي يصنع إنسانًا. فالإنسان المهذب بعلمه لا يستخدم معرفته لإثبات تفوقه، بل لتوسيع أثره، وخدمة مجتمعه، ورفع شأن من حوله، وصناعة بيئة أكثر احترامًا وتعاونًا ورحمة ووعيًا.