مبارك بن عوض الدوسري
منذ سنوات طويلة، ونحن نعيش في عالمٍ تتسابق فيه الأضواء نحو المشاهير، وتتنافس الشاشات واللوحات الإعلانية والمنصات الرقمية على تقديم الوجوه الأكثر حضورًا وجاذبية وقدرةً على جذب الانتباه؛ من ممثلين، ومغنين، ورياضيين، ومشاهير منصات التواصل الاجتماعي، يتحول بعضهم بين ليلة وضحاها إلى رموز يعرفها الصغير قبل الكبير، ويحفظ الناس أخبارهم وتفاصيل حياتهم، وربما يقلدهم الناشئة في المظهر والسلوك وطريقة الحديث؛ لكن السؤال الذي ينبغي أن نتوقف أمامه طويلًا هو: أين العالِم وسط كل هذه الأضواء؟ وأين الباحث الذي أمضى سنوات عمره بين الكتب والمختبرات؟ وأين الطبيب الذي أسهم في اكتشاف علاج؟ وأين المهندس الذي ساعد في بناء مشروع غير حياة الناس؟ وأين المبدع الذي قاد فكرة علمية تحولت إلى إنجاز وطني أو إنساني؟ وأين أصحاب العقول التي صنعت الحضارات، وفتحت أبواب المستقبل، ووسعت حدود المعرفة؟
الفكرة اللافتة التي برزت في بعض المدن الصينية، من خلال تقديم العلماء والباحثين على الشاشات واللوحات العامة بوصفهم رموزًا للنجاح والإنجاز، ليست في حقيقتها مجرد حملة إعلامية عابرة، بل هي رسالة ثقافية وتربوية عميقة تستحق التأمل؛ فالمجتمعات لا تصنع مستقبلها بالخطط والإستراتيجيات وحدها، وإنما تصنعه أيضًا من خلال النماذج التي تقدمها لأبنائها؛ والطفل الذي يرى كل يوم صورة لاعب أو ممثل أو مشهور، سيتشكل في ذهنه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مفهوم معين للنجاح والشهرة؛ وحين يصبح الحضور الإعلامي هو المعيار الأبرز للنجومية، فقد يظن البعض أن الطريق إلى المكانة يبدأ من الشهرة، لا من الإنجاز، ومن عدد المتابعين لا من حجم المعرفة، ومن لفت الأنظار لا من تقديم شيء نافع للناس؛ أما حين يرى الطالب في طريقه إلى مدرسته صورة عالمٍ أو طبيبٍ أو مخترعٍ أو باحثٍ أو مهندسٍ سعودي أو عربي، وإلى جانب صورته قصة مختصرة عن إنجازه، فإن الرسالة تختلف تمامًا؛ إنها تقول له: هذا أيضًا طريق للنجاح؛ وتقول له إن الإنسان يمكن أن يصبح معروفًا ومحترمًا ومؤثرًا لأنه اكتشف، أو اخترع، أو بحث، أو علّم، أو أنجز، أو قدم شيئًا جعل حياة الآخرين أفضل.
نحن في عالم عربي يملك تاريخًا علميًا عظيمًا، وكانت أسماء علمائنا في عصور الحضارة الإسلامية منارات للمعرفة الإنسانية؛ ابن الهيثم، والخوارزمي، والرازي، وابن النفيس، وغيرهم كثير، لم يكونوا مجرد أسماء في كتب التاريخ، بل كانوا رموزًا صنعت أثرًا تجاوز حدود أوطانهم وعصورهم، وأسهمت أعمالهم في بناء جانب مهم من المعرفة الإنسانية الحديثة؛ لكن المفارقة المؤلمة أن كثيرًا من أبنائنا اليوم قد يعرفون تفاصيل حياة مشاهير لا يقدمون لهم معرفة أو إنجازًا حقيقيًا، بينما قد لا يعرفون أسماء علماء معاصرين من أبناء وطنهم، يعملون في الجامعات والمختبرات والمراكز البحثية، ويحققون إنجازات ربما يكون لها أثر كبير في حاضر البلاد ومستقبلها ومن هنا تأتي أهمية إعادة النظر في مفهوم القدوة العامة؛ وليس المطلوب إقصاء الفن أو الرياضة أو الترفيه، فلكل مجال دوره ومكانه، ولكل موهبة حقها في التقدير؛ لكن الخطأ أن يصبح المشهد مختلًا إلى درجة يحتل فيها الترفيه كل المساحات، بينما يبقى العلم في الظل، ويعمل العلماء بصمت بعيدًا عن معرفة المجتمع.
إن العالم الذي يقضي سنوات في البحث يستحق أن يعرفه الناس؛ والباحث الذي يحقق اكتشافًا يستحق أن يصبح قصة ملهمة؛ والمعلم المتميز الذي يصنع أجيالًا يستحق أن يشار إليه بالبنان؛ والطبيب الذي يقدم إنجازًا طبيًا، والمهندس الذي يبتكر، والمخترع الذي يجد حلًا لمشكلة، والمبدع الذي يقدم مشروعًا يخدم الإنسان والوطن، جميعهم يستحقون مكانًا في واجهة المشهد؛ بل إن تحويل العلماء والمبدعين إلى رموز جماهيرية لا يعني منحهم شهرة شكلية، وإنما يعني رد الاعتبار الاجتماعي للعلم؛ وهذا هو الفارق الكبير فنحن لا نحتاج فقط إلى مدارس وجامعات ومختبرات ومراكز أبحاث، على أهميتها جميعًا، بل نحتاج كذلك إلى بيئة اجتماعية تجعل التفوق العلمي أمرًا جذابًا في أعين الشباب.
نحتاج أن يشعر الطالب المتفوق أن المجتمع يراه؛ وأن يعرف الباحث أن إنجازه محل تقدير؛ وأن يدرك المخترع أن فكرته يمكن أن تتحول إلى مصدر إلهام؛ وأن يرى الطفل أن النجاح ليس محصورًا في الوقوف أمام الكاميرا، بل قد يبدأ من كتاب، أو تجربة، أو سؤال، أو فكرة صغيرة داخل مختبر؛ ولعل دولنا العربية، وهي تمضي اليوم في مشروعات تنموية وطموحات كبيرة، أحوج ما تكون إلى تبني مبادرات من هذا النوع، وفق خصوصية كل مجتمع واحتياجاته.
ما أجمل أن تتحول بعض الشاشات العامة في مدننا إلى نوافذ للمعرفة؛ وأن نرى فيها عالمًا قدم إنجازًا؛ وطبيبًا حقق اكتشافًا؛ وباحثة أسهمت في تطوير علم أو تقنية؛ ومخترعًا شابًا بدأت فكرته صغيرة ثم أصبحت مشروعًا ناجحًا؛ وأن تقترن الصورة بقصة قصيرة، بسيطة ومؤثرة، تقول للناس: هذا الإنسان بدأ مثلكم، وتعلم، واجتهد، وفشل أحيانًا، ثم واصل الطريق حتى وصل.
تخيلوا أثر ذلك على طالب يمر يوميًا أمام تلك الشاشة!؛ ربما يرى اسمًا لم يسمع به من قبل، فيبحث عنه؛ وربما يقرأ قصة نجاح، فيتغير حلمه؛ وربما يكتشف أن العالم ليس شخصًا بعيدًا يعيش في الكتب القديمة، بل إنسان من أبناء وطنه، درس وتعب واجتهد، ثم أصبح صاحب إنجاز وهنا تكمن القوة الحقيقية للفكرة؛ إنها ليست إعلانًا عن أشخاص، بل إعلان عن منظومة قيم؛ قيمة العلم؛ وقيمة الاجتهاد؛ وقيمة المعرفة؛ وقيمة البحث؛ وقيمة أن يقدم الإنسان شيئًا يبقى أثره بعده.
وفي زمن أصبحت فيه الشهرة سريعة، وقد تأتي أحيانًا بلا إنجاز حقيقي، نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى أن نعيد تعريف النجومية؛ فليس كل من يعرفه الناس عظيمًا، وليس كل من لا يعرفه الناس قليل الأثر؛ فكم من عالم يعمل بصمت، لكنه يقدم للإنسانية ما هو أعظم من آلاف الكلمات والصور؛ وكم من باحث يقضي سنوات في تجربة واحدة، ثم يكون نجاحها سببًا في علاج مرض أو تطوير تقنية أو حل مشكلة؛ إن الأمم التي تريد أن تصنع مستقبلًا قويًا لا تكتفي بتعليم أبنائها، بل تعلمهم أيضًا من يستحق أن يُحتفى به؛ فالاحتفاء ليس مجرد تكريم، بل هو رسالة؛ والرسائل التي نكررها أمام الناس تتحول مع الوقت إلى ثقافة؛ وحين تصبح صورة العالم مألوفة في الشارع، واسمه حاضرًا في الإعلام، وقصته معروفة لدى الشباب، فإننا نكون قد بدأنا خطوة مهمة في صناعة مجتمع يقدر المعرفة.
ربما لا نستطيع أن نجعل كل طفل عالمًا، لكننا نستطيع أن نجعل العلم حلمًا محترمًا؛ وربما لا يصبح كل شاب باحثًا، لكن يمكن أن نغرس في نفسه احترام الباحث؛ وربما لا يكون كل إنسان مخترعًا، لكنه يستطيع أن يفهم أن الاختراع والابتكار هما الطريق الحقيقي لتقدم الأمم.
إن بلادنا العربية لا ينقصها الذكاء، ولا المواهب، ولا العقول القادرة على الإنجاز؛ ما نحتاج إليه هو المزيد من اكتشاف تلك العقول، وتقديمها للمجتمع، والاحتفاء بها، وتحويل قصصها إلى مصدر إلهام للأجيال الجديدة؛ فالأضواء التي نضعها اليوم على الأشخاص، قد تحدد الأحلام التي يحملها أطفالنا غدًا؛ ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: من نضع صورته على الشاشة؟ بل: أي مستقبل نريد أن نضعه أمام أعين أبنائنا؟ وحين يصبح العالِم نجمًا للشاشة، والباحث حديثًا للمجتمع، والمخترع رمزًا للنجاح، فإننا لا نغير شكل الإعلانات في شوارعنا فحسب، بل ربما نكون قد بدأنا في تغيير شيء أكبر بكثير.. طريقة تفكير جيلٍ كامل في معنى النجاح.