عبدالرحمن بن محمد القشعمي
هناك أناسٌ إذا مرّوا في الحياة تركوا وراءهم أثرًا لا تمحوه الأيام، وإذا غابوا بقيت سيرتهم حيّةً في القلوب، كأنهم لم يرحلوا، وإنما انتقلوا من أعيننا إلى ذاكرتنا، ومن مجالسنا إلى دعائنا.
ومن أولئك الرجال الذين عرفوا معنى الصبر، وأتقنوا لغة الشكر، العم عبدالعزيز العبدالرزاق رحمه الله؛ رجلٌ ابتُلي في جسده، لكن البلاء لم يستطع أن ينتزع من روحه رضاها، ولا أن يطفئ من وجهه نور الابتسامة.
وُلد رحمه الله مريضًا، وعاش مع مرضٍ مزمن رافقه منذ ولادته، فكان المرض رفيقًا ثقيلًا في طريق عمره، وكان يستطيع أن يشكو، وأن يتوجع، وأن يسأل: لماذا أنا؟ لكنه اختار طريقًا آخر؛ طريق الصابرين الشاكرين.
كان جسده يقول: إن بي ألمًا، وكانت روحه تقول: الحمد لله.
وكانت الأيام تحمل إليه من المشقة ما تنوء به الجبال، لكنه كان يحملها بقلبٍ راضٍ، ووجهٍ باسم، ونفسٍ لم تعرف السخط. ولعل أعظم ما يدهش في حكايته أن الابتسامة لم تكن قناعًا يخفي وراءه الألم، بل كانت شاهدًا على قلبٍ تعلّم أن يرى نعم الله حتى في مواطن الابتلاء.
فيا للعجب من رجلٍ أثقل المرض جسده، ولم يستطع أن يثقل قلبه!
كان يمكن للمرض أن يجعله ضيق الصدر، لكنه جعله أوسع صدرًا.
وكان يمكن للحرمان أن يجعله كثير الشكوى، لكنه جعله أكثر شكرًا.
وكان يمكن لطول الانتظار أن يطفئ في نفسه الأمل، لكنه ظل مؤمنًا بأن عطاء الله يأتي في وقته الذي لا يخطئ.
وطال انتظار الذرية، ثم رزقه الله بابنة بعد طول انتظار.
جاءت بعد أعوام من الصبر، فكأنها لم تكن ابنةً فحسب، بل كانت رسالةً أخرى تقول له: إن ما عند الله لا يضيع، وإن بعد الصبر عطايا لا تخطر على قلب بشر.
استقبلها بقلب الأب الذي عرف قيمة الانتظار، وقيمة النعمة، وقيمة أن يمنح الله الإنسان شيئًا ظل يدعو به طويلًا.
وهكذا كان العم عبدالعزيز رحمه الله مدرسةً صامتة في الرضا. لم يكن يرفع راية الصبر بالكلمات، بل كان يرفعها بحياته.
ولم يكن يقول للناس: احمدوا الله، ثم ينسى ذلك إذا نزل به البلاء؛ بل كان جسده المبتلى، وابتسامته الدائمة، وصبره الطويل، وشكره المستمر، كلها تقول ذلك دون أن ينطق. كان يعرف للناس أقدارهم، ويمنح الكبير مكانته، ويحتفي بالصغير بعطفه واهتمامه. وكان للرحم في قلبه منزلة، وللقريب حق، وللناس عنده ودٌّ لا تصنعه المصلحة ولا تفسده الأيام.
وما أجمل أن يرحل الإنسان وقد ترك خلفه ذكرياتٍ طيبة في نفوس من عرفوه.
فهذا يقول: كان يزورنا.
وذاك يقول: كان يسأل عنا.
وآخر يقول: كان يكرم الكبير.
وصغيرٌ ربما لا يعرف من تفاصيل حياته شيئًا، لكنه يتذكر ابتسامته.
وهكذا يعيش الإنسان بعد موته؛ لا بطول عمره، ولا بكثرة ماله، وإنما بما زرعه في قلوب الناس.
رحل العم عبدالعزيز، وبقيت ابتسامته.
رحل الجسد الذي أنهكه المرض، وبقي معنى الصبر.
رحل الرجل الذي طال به الانتظار، وبقيت حكايته تقول لكل مبتلى: لا تيأس من رحمة الله.
رحل من كان يحمل في جسده وجعًا مزمنًا، لكنه لم يسمح للوجع أن يكون عنوان حياته.
وكأن حياته كلها كانت تقول:
قد يبتلى الجسد، ولكن القلب يستطيع أن يبقى عامرًا بالحمد.
وقد يطول الانتظار، ولكن باب الله لا يُغلق.
وقد تشتد الأيام، ولكن رضا الله أوسع من كل ألم.
رحم الله العم عبدالعزيز العبدالرزاق، يوم ولد وهو يحمل ابتلاءه، ويوم عاش صابرًا شاكرًا، ويوم فارق الدنيا وترك خلفه سيرةً طيبة وذكرًا حسنًا وقلوبًا تدعو له.
رحمه الله رحمةً واسعة، وغفر له، وعفا عنه، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، وأنار قبره، وآنس وحشته، وجعل مرضه وصبره واحتسابه رفعةً لدرجاته وتكفيرًا لسيئاته.
اللهم إن العم عبدالعزيز كان صابرًا على ما ابتلي به؛ فاللهم أجزه عن صبره خير الجزاء، وعن شكره أعظم العطاء.
رحل عن الدنيا، وبقيت سيرته درسًا: أن أعظم الانتصارات أن يبقى القلب حامدًا لله مهما أثقلته الحياة.