عبدالمحسن بن علي المطلق
حين تُفْقد الأم فهذا خطب لا يوازى ثقله على القلب مهما تجاذبت الكلمات، أو طُرزت العبارات.. لأن الحدث معبّر عن نفسه، مما لا حاجة أصلًا أن تشرح، بل شرحك- إن حدث- فهو جرحٌ آخر، حتى قيل: (لا تعلّم الحزين البكاء)، لأنه يعيش الحالة.. ما لا داعي أن تخبره عن مهـيّـة البكاء، وكذا الموال ينسحب على فقد غال، وقد تلفى من يصوغ لك إذا فقدت أغلى ما تملك ماديًا، برغم ثقل هذا، لكن كيف هو كنهه؟ إذا اجتمع مع ذاك - الفقد - فقدًا معنويًا، هنا يقف الكلام و يبهت التعليل، و لا تعد للبلاغة من عذوبة..
وسبق قيل أنه لا يجادل في البدهيات سوى عيي، أي هل تتوقع أن تجد من يجرؤ على تذكيرٍ في جلال قدر الوالدين، أو عن فوائد الماء؟!
وحين يجتمع ما تقدم مع رحيلٍ ليس معتاد، لإن فقيدتنا - كلنا - مضّها الداء، فحسب أن لها سنوات وسنوات على السرير الأبيض، كادت تكون نموذج صبر في عصرنا قلما تسمع محاكيًا له، أجل.. هي تلك غاليتنا: (أم خالد بن محمد أبالخيل)، والتي لم تمض إلى ربها إلا بعد أن شاهد القريب بأم عينه، وسمع البعيد ما لا يساوره شك بما أرهفت له حواسه مما تناقله الركبان أقصد الثقات عن صبرها.. عن إحتسابها.. عن تحمّلها.. عن قلت تبرّمها، فعساها ممن شملهم قوله صلى الله عليه وسلم (إنّ العبدَ إذا سبقتْ له من اللهِ منزلةٌ فلم يبلُغْها بعملٍ؛ ابتلاه اللهُ في جسدِه أو مالِه أو في ولدِه، ثم صبر على ذلك حتى يُبلِّغَه المنزلةَ التي سبقتْ له من اللهِ عزَّ وجلَّ) والحديث صحيح لغيره
وهنا فهي (أكرم ربي مثواها) يجيّـر صنيعها لأهل زمانها مثوبة ما حدث لها.. من أنهم لم يعدموا من نماذج أطلعتنا صحائف التاريخ -وسيأتي نموذجًا- ما أدخلناهم في تخيلاتنا.. لإننا بالكاد نصدّق عن حالهم!
عشرين سنة وربما الشطر الأخير منها لم تبقي من تلك الأثيرة المحتسبة -كذا نحسبها كلنا رحمها الله تعالى- شيء يكاد يقال عنه أمل شفاء، فكيف بأمل ناجع، ومع هذا فلا يذكر عنها إلا الصبر.
سيدنا أيوب عليه السلام كان مضربًا للصبر في الأمثال والأشعار، وهنا نجد من نوعية تحاكي.. كي يقترب للناس ما تتحدث به إليهم، حتى لا يتعذر متعذّر بنموذج أيوب وأنه نبي، والأنبياء غير، نعم صحيح أنهم عليهم الصلاة والسلام غير، لكن أرفد بواقعة تجدها في السير و قد أخذت من علائم التعجّـب، أو بين روايات تلحق بالنسج أو التخيّـل.. لا بالحقيقة حدثت، فقد ذُكر في: (حلية الأولياء)
رواية لابن قتيبة وغيره، حول قطع قدم عروة بن الزبير رحمه الله، أنه (لما دُعي الجزار ليقطعها، قال له: نسقيك الخمر؛ حتى لا تَجِد لها ألمًا، فقال: لا أستعين بحرام الله على ما أرجو من عافية، قالوا: فنسقيك المُرْقِد؟، قال: ما أحب أن أسلب عضوًا من أعضائي وأنا لا أجد ألم ذلك فأحتسبه، قال: ودخل عليه قوم أنكرهم، فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: يمسكونك، فإن الألم ربما عزب معه الصبر، قال: أرجو أن أكفيَكم ذلك من نفسي، فقُطِعت قدمه بالسكين، حتى إذا بلغ العظم وضع عليه المنشار فقطعت، وهو يهلِّل ويكبِّر، ثم إنه أغلي له الزيت في مغارف الحديد، فحسم به، فغشي عليه، فأفاق وهو يمسح العرق عن وجهه..) رحمه الله، بل إن تعجب مما تقدم، فإن في ختمها ما هو أعظم.. حين رأى -عروة- القدم بأيديهم دعا بها، فقلبها في يده، ثم قال: (أما والذي حملني عليك، إنه ليعلم أني ما مشيتُ بك إلى حرام)، فيا أحبابي.. - هل يحضركم مفاخر بلغت هذه؟! وقيل.. يوم دخل عليه عيسى بن طلحة بن عبيد الله - بعد ما بترت رجله - فقال: «والله ما كُنا نُعِدُّكَ للصِّراع، ولا للسباق، ولكن نُعِدُّكَ للخير ونوالِكَ المُنسَاق، ولقد أبقى الله لنا أكثركَ: أبقى لنا سمعكَ وبصركَ، ولسانكَ وعقلكَ، ويديكَ وإحدى رجليكَ»، هنا أجابه عروة: (والله يا عيسى ما عزّاني أحد بمثل ما عزّيتني به).
أوجز مختتمًا.. أن ليس بجعبتي ما يمكن التعبير عنه إزائها، لإن المرء إن لم يجد القول مماثل فلا مناص له من الصمت كـدليل على صدق ما بداخله، وهذه للعلم -لا أكثر- تجدها في ماء حديثٍ محذرًا من (أن يـكون ألحن بحجته) كـعلامة جليّـةً أن من يبهرك بمعسول القول أو ملك ناصية المنطق.. ليس جزمًا يملك الحق!
قفلٌ.. رحم الله من مضت ومضى معها ما هو أكبر:
وجاهة صبر توارى إثـر نسائمها
فعليك من الله رحمات غوادٍ رائحات