ناصر المحيّاني
في ضوء القانون الدولي يعد الأمن البحري في منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن من أهم القضايا ذات الأبعاد الدولية المتشابكة، نظراً للارتباط الوثيق بين سلامة الملاحة البحرية، واستقرار حركة التجارة الدولية، وأمن إمدادات الطاقة، واحترام قواعد القانون الدولي للبحار، فضلاً عن تقاطع المنطقة بمصالح عدد كبير من الدول الواقعة على سواحل البحر الأحمر أو المرتبطة بحركة الملاحة فيه.
ونظراً لأهمية هذه المنطقة بوصفها منظومة بحرية مترابطة، وتشكل حلقة اتصال بحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، وترتبط حركة الملاحة فيها بالمسارات المتجهة إلى قناة السويس والبحر المتوسط، الأمر الذي يترتب عليه أن أي تهديد متواصل للملاحة في باب المندب، يمكن أن يمتد إلى التجارة الدولية وسلاسل الإمداد والطاقة، وبالتالي لا يبقى أثره محصوراً في المنطقة الساحلية، وهو ما يفضي إلى حقيقة مفادها: أن الأمن البحري في باب المندب يمثل مصلحة دولية، مع كفالة حقوق الدول الساحلية محفوظة بموجب القانون الدولي.
وفيما يتعلق بالطبيعة القانونية لمضيق باب المندب في إطار القانون الدولي للبحار، يطرح هنا سؤال قانوني محوري: ما النظام القانوني الحاكم للمرور عبر هذا الممر الحيوي؟ متجاوزين بذلك المقاربة التقليدية القائمة على حصر أهميته في دولة بعينها.
لقد قننت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام (1982) - في جزئها الثالث – أحكام «المضائق المستخدمة للملاحة الدولية»، لترسخ التوازن بين السيادة وحرية التجارة العالمية، حيث حددت المادة (37) منها نطاق تطبيق حق المرور العابر على المضائق المستخدمة للملاحة الدولية التي تصل بين جزء من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة وجزء آخر منها. كما تقرر في المادة (38) حق المرور العابر للسفن والطائرات عبر هذه المضائق الحيوية.
ومع تطور النزاع المسلح داخل محيط دولة مطلة على المضيق، وانتقال التهديد من كونه نزاعاً ذا نطاق داخلي وإقليمي محدود، إلى تهديد ذي أبعاد بحرية ودولية متزايدة، ولاسيما مع انتقال الميليشيا من ممارسة العمليات العسكرية داخل أراضي الدولة، إلى إقليم دولة ذات سيادة، والمناطق المحيطة بمضيق باب المندب، الأمر الذي أفضى إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن البحري في المنطقة، حيث أصبح هذا التهديد يمس بصورة مباشرة حرية الملاحة الدولية وسلامة السفن التجارية وأمن البحار واستمرار سلاسل الإمداد العالمية وتدفقات التجارة والطاقة، إذ لم يعد الخطر مقتصراً على أمن الدول الساحلية أو على أطراف النزاع.
وفي هذا الإطار، وبعد قيام المؤسسات الدولية بتوثيق طبيعة هذا التحول، أكد مجلس الأمن بقراره رقم (2722 لسنة 2024) أن الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر تعرقل التجارة العالمية، وتقوض حقوق الملاحة وحرياتها، وطالب في القرار ذاته بالوقف الفوري لتلك الهجمات، كما أكد على مشروعية ممارسة السفن التجارية وناقلات الدول كافة لحقوق الملاحة وحرياتها وفقاً لقواعد القانون الدولي، بما في ذلك حق الدول الأعضاء في الدفاع عن سفنها من الهجمات التي تستهدفها أو تخل بالأمن البحري.
لقد أكد مجلس الأمن في القرار ذاته، أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تشكل الإطار القانوني المنطبق على الأنشطة في المحيطات، بما في ذلك الأنشطة غير المشروعة في البحر، ومن ثم فإن حماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب لا تنفصل بأي شكل من الأشكال عن النظام القانوني الدولي للبحار، بل تقع عند نقطة التقاء بين قواعد قانون البحار وقواعد ميثاق الأمم المتحدة المعنية بالأمن والسلم الدوليين.
وفي هذا السياق، برزت مبادرة المملكة العربية السعودية باعتبارها انتقالاً من التعامل مع المخاطر البحرية بعد وقوعها، إلى إطار مؤسسي قادر على تعزيز الوقاية البحرية ورفع مستوى الاستعداد لمواجهة الأخطار المحتملة قبل أن تتحول إلى اضطراب واسع النطاق في حركة الملاحة البحرية، حيث دعت إلى مشروع التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، والذي حدد في وثائقه التأسيسية نطاقاً مرتبطاً بمضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، ويرمي إلى تعزيز الأمن البحري وحماية حرية الملاحة وتأمين خطوط التجارة الدولية ومسارات إمدادات الطاقة والمصالح البحرية المشتركة، بالارتكاز على قواعد القانون الدولي.
ومن الناحية القانونية، يجب أن يفهم هذا التحرك في إطار دقيق بأنه وقائي استباقي، فالوقاية البحرية لا تعني بالضرورة اللجوء إلى القوة المسلحة قبل وقوع الهجوم، بل تشمل بناء قدرات الرصد والإنذار المبكر، وتبادل المعلومات وتعزيز الجاهزية البحرية، وتأمين الممرات وحماية السفن، وتنسيق عمليات الإنقاذ والاستجابة، وإنشاء آليات اتصال بين القوات البحرية والدول والمشاطئة والجهات المختصة بالملاحة الدولية، بما يسمح باحتواء الخطر في مراحله الأولى ومنع تحوله إلى تهديد واسع النطاق. وهذا الفهم يجعل -بالضرورة- الوقاية جزءاً من مفهوم الأمن البحري الجماعي.
ومن هنا تظهر أهمية جهود المبادرة السعودية في صورتها المؤسسية، حين يقوم التحالف البحري الدفاعي على إنشاء بيئة متقدمة للوقاية والتنسيق والاستعداد، بدلاً من أن يكون التعامل مع الخطر قائماً فقط على رد فعل عسكري بعد استهداف السفن.
وبذلك أصبح مفهوم حماية الملاحة أكثر اتساعاً من مجرد اعتراض صاروخ أو حماية سفينة بعينها، حيث أصبح الوضع -في المنطقة المشمولة بالحماية ضمن نطاق عمل التحالف- يتطلب منظومة أمنية متكاملة قادرة على اكتشاف التهديد قبل وصول السفينة، وتقدير طبيعته، وإبلاغ السفن المتواجدة في المنطقة، وتنسيق الاستجابة وتحديد الجهة المختصة بالتدخل، وتقليص احتمالات وقوع الخسائر البشرية والمادية، وفي هذا الجانب يتجسد التحالف بوصفه نموذجاً للحماية الاستباقية، وبصورة تتفق مع القانون الدولي.
إن هذه المسألة تتصل بصورة مباشرة بمفهوم الدفاع الشرعي الوارد في المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، حيث تنص على أن «ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسها إذا عتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة»، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين، مع التزام الدول بإبلاغ المجلس فوراً بالتدابير المتخذة في ممارسة حق الدفاع الشرعي. وفي الوقت ذاته، يندرج مشروع التحالف البحري الدفاعي ضمن الاتجاه المستقر في الممارسة الدولية القائم على تعزيز التعاون الدولي لحماية الممرات البحرية ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، الأمر الذي يجعل من التنسيق الجماعي والوقاية البحرية إحدى الوسائل المشروعة والمعترف بها دولياً لصون الأمن البحري وحماية المصالح المشتركة للدول.
وعلى ذلك، تظهر خصوصية المبادرة السعودية في أنها لا تتحرك فقط باعتبارها دولة تتأثر بصورة مباشرة بالتهديد، بل بوصفها دولة اختارت أن تنشئ إطاراً متعدد الجنسيات لمعالجة الخطر البحري، وهو ما يتجلى معه الفارق القانوني الجوهري، ولاسيما أن حماية المصالح البحرية السعودية لا تقتصر على الحدود البحرية للمملكة، بل تمتد إلى حماية الملاحة الدولية في الممرات التي تستخدمها سفن دول متعددة. وبالتالي فإن التحالف البحري الدفاعي يجمع في مضمونه المصلحة الدولية في استمرار حركة الملاحة الآمنة.
ونستخلص من ذلك، أن الإطار القانوني الناظم للتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، وتطبيقه على مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، أن التحولات التي شهدتها البيئة الأمنية في المنطقة البحرية المحيطة بالتهديد، أدت إلى نشوء وضع أمني وقانوني جديد، إذ لم يعد من الممكن معه النظر إلى النزاع القائم باعتباره نزاعاً داخلياً منفصلاً عن حركة الملاحة الدولية، وهو ما أكدته المنظمة البحرية الدولية في بيانها: «أن الهجمات المتجددة على النقل البحري في البحر الأحمر تهدد سلامة البحارة وأمن النقل البحري وسلاسل الإمداد العالمية»، الأمر الذي يمثل نقطة الانطلاق في فهم المبادرة السعودية.
وعليه، فإن التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات لا يمثل مجرد ترتيبات أمنية عابرة، بل يعكس تطوراً متقدماً في مفهوم الأمن البحري الجماعي في منطقة تعد من أكثر الممرات المائية حساسية في العالم، بما يتوافق مع قواعد القانون الدولي وأحكام حرية الملاحة، ويؤكد في الوقت ذاته الدور المتقدم المملكة العربية السعودية في دعم الاستقرار الإقليمي وحماية المصالح البحرية الدولية المشتركة.
** **
كاتب ومحلل سياسي - باحث في الشأن الدولي والسياسي