عوض علي أحمد الطالبي
ريادة الحاضر وآفاق المستقبل
تتبوأ المملكة العربية السعودية مكانة استثنائية في الخريطة العالمية والإقليمية، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي الفريد الذي يربط قارات العالم الثلاث، ولا لكونها مهبط الوحي وقبلة أكثر من مليار مسلم، بل لأنها تحولت في ظل قيادتها الحكيمة ورؤيتها الطموحة (رؤية السعودية 2030) إلى نموذج عالمي يُحتذى به في التنمية، والابتكار، وصناعة الاستقرار، والتحول الاقتصادي والمعرفي.
برجالها، وبإرادة شعبها، وبثقلها السياسي والاقتصادي، أصبحت الرقم الأصعب في معادلات المنطقة والعالم. ولكن، وكما هو مألوف في سنن التاريخ، فإن الشجرة المثمرة وحدها هي التي تُرمى بالحجارة؛ ومن هنا تعرضت المملكة على مدار عقود طويلة، وتحديداً في السنوات الأخيرة، لحملات ممنهجة واعتداءات سافرة من قوى إقليمية تسعى لنشر الفوضى والدمار، في مقدمتها النظام الإيراني وأدواته الوخيمة وفي طليعتها المليشيا الحوثية الإرهابية.
فما هي أسباب هذا الاستهداف المستمر؟ ولماذا تتركز السهام الآثمة نحو المقدسات والمقدرات السعودية؟ ولمصلحة من تُحاك هذه الدُمى وتُدار هذه الفتن؟ هذا ما سنحاول تفكيكه وقراءته بعمق تحليلي في هذا السياق.
أولاً: العمق الإستراتيجي ورمز الاعتدال
عندما نتحدث عن المملكة العربية السعودية بوصفها قوة إقليمية وعالمية وازنة، فإننا نستند إلى ركائز صلبة لا يمكن تجاوزها:
الثقل الديني والروحاني: تحتضن المملكة الحرمين الشريفين، مما يجعلها مرجعية روحية كبرى للمسلمين في شتى بقاع الأرض، وموضع ثقة وتقدير عالمي مطلق في إدارة ورعاية ضيوف الرحمن.
الاستقرار السياسي والاقتصادي: في عالم تعصف به الأزمات والانهيارات الاقتصادية والحروب الأهلية، تقف السعودية كواحة أمن واستقرار، مدعومة باقتصاد متين ورؤية استراتيجية تقود عجلة التطور التقني والعلمي والصناعي.
الاعتدال والاتزان الدبلوماسي: تتبنى الرياض سياسة خارجية قائمة على مد جسور التعاون، وحل النزاعات بالطرق السلمية، ودعم الأمن والسلم الدوليين، مع الحفاظ على خطوط حمراء واضحة تتعلق بسيادتها وأمنها الوطني.
هذا الحضور المهيب جعل المملكة القلعة العصيّة على الذوبان في مشاريع الهيمنة، وخط الدفاع الأول عن الاستقرار العربي والإسلامي.
ثانياً: لماذا تستهدف إيران والميليشيا الحوثية السعودية؟ الأبعاد والدوافع؟
إن العداء الإيراني للمملكة ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لأيدولوجية توسعية تقوم على تصدير الثورة، وإثارة النعرات الطائفية، وخلق الميليشيات المسلحة لتقويض الدولة الوطنية في المنطقة. ويمكن إيجاز أسباب هذا الاستهداف المتكرر في النقاط التالية:
فشل المشروع الإيراني في مواجهة النموذج التنموي السعودي: بينما تغرق إيران في العزلة الدولية، والعقوبات الاقتصادية، والانهيار المعيشي لشعبها نتيجة سياسات نظامها المرتكزة على المغامرات العسكرية وتطوير الأسلحة الدموية، تقدم المملكة نموذجاً مبهراً للنجاح من خلال رؤية 2030، والمدن الذكية، والقفزات التقنية، وهو ما يشكل «إحراجاً وجودياً» للنظام الإيراني أمام شعبه وأمام شعوب المنطقة.
إحباط أحلام الهيمنة الإقليمية: لطالما حلمت طهران بابتلاع القرار العربي وتطويع دول المنطقة عبر أذرعها الطائفية. وقد وقف المشروع السعودي صخرة تكسرت عليها كافة المخططات الإيرانية في اليمن، وبلدان أخرى.
الدور الحوثي كأداة طيعة للابتزاز: المليشيا الحوثية الإرهابية ليست سوى مخلب قط، وفصيل عقائدي مسلوب الإرادة ينفذ الأجندة الإيرانية بحذافيرها. واستهدافها لأراضي المملكة عبر الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية هو محاولة يائسة لتعويض فشلها السياسي والميداني في الداخل اليمني، وتنفيذ للأوامر الإيرانية الرامية لزعزعة أمن الطاقة العالمي واستقرار خطوط التجارة الدولية.
موقع السعودية القيادي في العالم الإسلامي والعربي: تسعى طهران وأعوانها إلى ضرب المرجعية القيادية للمملكة، ومحاولة تشويه دورها التاريخي في حماية القضايا العربية والإسلامية، لخلخلة الصف وتسهيل اختراق المنطقة.
ثالثاً: استهداف المقدسات والمقدرات.. العبث بأمن العالم
لم يقتصر العدوان الحوثي-الإيراني على الأهداف المدنية، بل امتد ليمس خطوطاً حمراء تجاوزت كل الأعراف الدينية والأخلاقية والإنسانية:
استهداف المدن المقدسة: في أكثر من مناسبة، أثبتت التقارير والدلائل إطلاق المليشيا الحوثية صواريخ باتجاه مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهو ما يعكس الانحراف العقائدي والسياسي لهذه الجماعة التي لا تتردد في انتهاك قدسية أطهر بقاع الأرض خدمة لمصالح ملالي طهران.
استهداف المنشآت الاقتصادية والحيوية: إن الاعتداءات المتكررة على منشآت النفط، ومحطات التحلية، والمطارات المدنية في المملكة، لم تكن تستهدف المملكة وحدها، بل كانت استهدافاً مباشراً لشريان الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة الدولي. فالمملكة هي صمام الأمان للاقتصاد العالمي، ومحاولة زعزعة أمنها هي محاولة متعمدة لتركيع الاقتصاد الدولي وإحداث أزمات معيشية طاحنة للبشرية جمعاء.
استهداف النسيج الاجتماعي والأرواح البريئة: إن استهداف المدنيين الأبرياء في القرى والمدن الحدودية والداخلية يعكس السلوك الإرهابي البحت لهذه الميليشيات التي لا تملك مشروع بناء أو حياة، بل تقتات على الدمار والخراب.
رابعاً: لمصلحة من تُحاك هذه المؤامرات؟
السؤال الأهم الذي يفرض نفسه بقوة: لمصلحة من يتم استهداف المملكة؟
خدمة الأجندات الاستعمارية والدولية الطامعة في ثروات المنطقة: إن إشاعة الفوضى في المملكة ومنطقة الخليج يخدم أطرافاً دولية تسعى لإبقاء المنطقة في حالة استنزاف مستمر، لضمان استمرار تدفق الموارد بشروطها، وإبقاء الدول العربية في دائرة التخلف والتبعية.
تحقيق أحلام الإمبراطوريات الوهمية: النظام الإيراني يستخدم هذه الأدوات لمحاولة إحياء حلم الإمبراطورية الفارسية على حساب دماء العرب وسيادتهم، ضارباً بعرض الحائط مصالح الشعوب الإيرانية التي تعاني الأمرين جراء تبديد ثرواتها في حروب عبثية خارج الحدود.
الجماعات المتطرفة والإرهابية: تستفيد التنظيمات الإرهابية المتطرفة (سواء ذات الخلفيات الطائفية أو الحركية المتطرفة) من حالة عدم الاستقرار لتنشط وتتمدد؛ ولذلك فإن استهداف السعودية هو استهداف للحصن الأمني الأكبر الذي يقف حائط صد منيع أمام هذه التنظيمات وجذورها الفكرية والميدانية.
خامساً: اليقظة السعودية.. درع الوطن وسيفه الحاسم
أمام هذه التحديات الجسام، لم تكن المملكة العربية السعودية تبتز أو تتراجع، بل أثبتت احترافية عالية وصلابة منقطعة النظير في التعامل مع المخاطر:
القوات المسلحة الباسلة: درع الوطن الحصين الذي يسطر أروع ملاحم البطولة والشجاعة في حماية الحدود والذود عن حياض الوطن، متسلحاً بالعقيدة الوطنية الراسخة والكفاءة العالية.
الحزم السياسي والدبلوماسي: إدارة الأزمات بحنكة بالغة، والجمع بين القوة الرادعة والانفتاح على الحلول السلمية العادلة التي تضمن أمن اليمن واستقراره وعودته إلى محيطه العربي، بعيداً عن الهيمنة الإيرانية.
الالتفاف الشعبي حول القيادة: يقف الشعب السعودي العظيم صفاً واحداً خلف قيادته الرشيدة، مؤمناً بأن أمن الوطن خط أحمر لا يمكن التنازل عنه، ومستعداً للتضحية الغالية والنفيسة في سبيل رفعة هذا الكيان العظيم واستمراره منارةً للحق والسلام.
خاتمة: المستقبل للأمل والازدهار
ستظل المملكة صامدة راسخة كالجبال الرواسي، لا تنال منها ريح الحقد ولا عواصف المؤامرات. إن مسيرة التنمية التي تقودها رؤية 2030 ماضية في طريقها المرسوم بثبات واثق نحو المجد، بينما تتهاوى مشاريع الظلام والفوضى أمام صخرة الإرادة السعودية الصلبة.
فالتاريخ علمنا أن من يبني الإنسان ويعمر الأرض وينشر السلام، هو الباقي، وأن كل مشاريع الدمار والتبعية إلى زحف وانحسار. وستبقى الرياض دائماً وأبداً رمز الاستقرار، وقلب الأمة النابض بالحياة والكرامة.