أمل حمدان الشريف
ماذا يبقى من وطنٍ لا يعرف كيف يروي حكايته؟
السؤال ليس ترفًا ثقافيًا؛ فالأمم التي تفرّط في ذاكرتها تترك فراغًا سرعان ما تملؤه روايات الآخرين. لذلك، لا ينبغي أن يُختزل الموروث الثقافي في مناسبات عابرة، أو يُحاصر في المتاحف والكتب؛ لأنه أحد أهم روافد الهوية الوطنية ومصادر القوة الناعمة.
المملكة لا تفتقر إلى الموروث؛ بل تمتلك ثراءً ثقافيًا وحضاريًا متنوعًا. والتحدي الحقيقي هو: كيف نحول هذا الإرث من ذاكرة محفوظة إلى قوة حاضرة تصنع المستقبل؟
وهنا يلتقي الموروث الثقافي مباشرة مع مستهدفات رؤية السعودية 2030؛ التي جعلت الثقافة والتراث جزءًا من بناء مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وربطت الحفاظ على التراث وتعزيز الهوية الوطنية بالتنمية الثقافية والاقتصادية للمملكة.
ففي مستهدف مجتمع حيوي، لا تكون الهوية مجرد شعار، بل ممارسة ثقافية تعزز الاعتزاز بالوطن والانتماء إليه، وتحافظ على التراث الوطني وتنقله إلى الأجيال. ومن هنا يصبح الموروث وسيلة لبناء جيل يعرف جذوره، ويفهم قيم مجتمعه، ويعتز بهويته دون أن ينغلق عن العالم.
وفي مستهدف اقتصاد مزدهر، لا يعود الموروث مجرد قيمة رمزية؛ بل يمكن أن يتحول إلى مورد اقتصادي من خلال الصناعات الثقافية والإبداعية، والحرف، والتصميم، والسياحة الثقافية، وإنتاج المحتوى، والفعاليات، والمنتجات المستوحاة من الهوية السعودية.
أما وطن طموح، فيعني أن نمتلك القدرة على تقديم قصتنا للعالم بثقة، وأن تتحول الثقافة السعودية إلى إحدى أدوات حضور المملكة دوليًا وقوتها الناعمة.
وهنا تكمن النقلة الأهم: المطلوب ألا نحفظ الموروث فقط، بل أن نستثمر فيه.
فالحرفة يمكن أن تصبح صناعة إبداعية، والحكاية الشعبية محتوى عالميًا، والشعر ذاكرة رقمية، والعمارة مصدرًا للإلهام، والموروث بأكمله منصة للتعريف بالسعودية وثقافتها وقيمها.
والأخطر من ضياع الموروث أن يتحول إلى ممارسة شكلية؛ نحتفي به في موسم، ثم نغادره حتى الموسم التالي. فمستهدفات الرؤية لا تُقاس بكثرة الاحتفاء، وإنما بقدرتنا على تحويل الثقافة إلى مشاركة، والمشاركة إلى إنتاج، والإنتاج إلى أثر مستدام.
وهنا تأتي مسؤولية الأندية والمؤسسات والمبادرات الثقافية؛ فدورها لا ينبغي أن يتوقف عند إقامة الفعاليات، بل أن يسهم في تحقيق مستهدفات الرؤية عبر التوثيق، والبحث، والتعليم الثقافي، وتمكين المواهب، وإنتاج المحتوى، والترجمة، ودعم الإبداع، وربط الموروث بالاقتصاد الثقافي.
فالهوية التي لا تتحدث بلغة عصرها قد تتحول إلى صورة باهتة في الذاكرة، بينما الهوية التي تعيد تقديم موروثها بإبداع تصبح أكثر قدرة على الاستمرار والتأثير.
لقد تجاوز السؤال الثقافي مرحلة: كيف نحافظ على تراثنا؟
وأصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف نجعل تراثنا جزءًا من مستقبلنا؟
فالموروث الذي لا يتحول إلى وعي، يبقى ذاكرة.
والموروث الذي يتحول إلى إبداع، يصبح قوة.
والموروث الذي يتحول إلى اقتصاد وحضور عالمي، يصبح أحد روافع التنمية الوطنية.
وهذه هي المعادلة التي تنسجم مع رؤية السعودية 2030: هوية وطنية أكثر رسوخًا، مجتمع أكثر حيوية، اقتصاد ثقافي أكثر ازدهارًا، ووطن أكثر حضورًا في العالم.
فالأمم لا تُعرَف فقط بما تملك من آثار، بل بما تستطيع أن تمنح العالم من معنى وحكاية وهوية.