نجلاء العتيبي
الطمأنينة هنا لا تعني غياب التحذيرات؛ إنها حضورُ دولةٍ تقرأ الاحتمال قبل أن يُصبح حدثًا، وتضع لكل ظرفٍ تدبيره، ولكل مسؤولية رجالها، تصل الرسائلُ إلى المواطن السعودي فلا تستدرج قلبه إلى الفزع؛ يقرأها بوعي، ويتَّبع توجيهها، ويمضي واثقًا بأن خلف الكلمات المختصرة عملًا واسعًا لا تراه العين.
في المملكة العربية السعودية، الشجاعةُ انضباط الجندي في موقعه، ويقظةُ المختص أمام شاشته، ودقةُ الممارس في قراره، وهدوءُ المواطن وهو يُؤدّي دوره، لكل واحد موضعُهُ، ومن اجتماع هذه المواضع تتكوَّن قوة متماسكة، تعرف قدرها من أثرها، وتترك للأفعال أن تتحدَّث بلغتها الحاسمة.
حين تقترب الشدائد، يظهر معدن الأوطان في ترتيبها، وفي قدرتها على حماية الإنسان من غير ارتباك، والمملكة تعرف هذا المقام جيدًا؛ بنتْ أمنها بعقول أبنائها، وصانت حدودها بسواعد رجالها، وجعلت الاستعداد جزءًا من كفاءة الدولة، لا رد فعل مؤقتًا، وما يبدو للناس رسالة تحذير مقتضبة، تقف وراءه منظومة تُراقب، وتُقدّر، وتُنسّق، وتختار اللحظة المناسبة للكلمة والإجراء.
يتجلَّى الشموخ في اقتصاد الحركة، ودقة الاستجابة؛ فالقرار يصل إلى غايته، والجهة المعنية تمارس اختصاصها، والناس يعرفون ما عليهم، هذه السكينة ثمرة وطنٍ أحسن إعداد رجاله، ووسَّع أدواته، وربط القوة بالحكمة؛ لذلك تكشف التحذيراتُ مقدارَ العناية التي تحيط بنا، وتُؤكّد أن سلامة المواطن حاضرةٌ في الحساب منذ بدايته، وأن العين الساهرة تبدأ عملها قبل اقتراب الخطر، في كل جهة، وعلى كل امتداد.
أما الجندي السعودي فيذهب إلى واجبه محمولًا بقيمة الموقع الذي ائتمنه الوطن عليه، يحمل مسؤوليَّته بهدوء من خبر معنى الانتماء، ويقف حيث ينبغي أن يقف؛ لأن حماية الوطن عنده عهد سلوك، لا مساحة للزينة اللفظية، فشجاعته سيادة على النفس عندما يصبح القرار أثقل من الكلام، والثبات أصدق من الوصف.
والمواطن شريك في هذا التماسك، اطمئنانه وعي، وهدوؤه ثقة بدولة أثبتت أن الاستعداد يسبق المفاجأة، وأن سلامة الناس أولوية لها أدواتها ورجالها، يستقبل التوجيه بمسؤولية، ويتجنَّب الإشاعة، ويحفظ للموقف اتزانه، فيمنح وطنه قوة أخرى تساند القوة الواقفة في الميدان؛ فالوطن لا تحرسه السواعد وحدها؛ بل يحرسه كذلك عقلٌ يُميّز الحقيقة، ولسانٌ يصون الكلمة، وقلبٌ يرفض أن يكون منفذًا للقلق أو الشائعة.
هكذا تكون المملكة في ساعة الاختبار: قيادة تعرف وجهتها، ومؤسَّسات تعرف اختصاصها، وجنود يعرفون قيمة مواقعهم، وشعب يحمل الوفاء فطرةً وموقفًا، لا تضطرب الصورة بكثرة الأصوات، لأن أصلها راسخ؛ وطن شيَّد هيبته بسنواتٍ من العمل، وبقراراتٍ تحمل وزنها، وبأبناءٍ يرون خدمة بلادهم منزلةً تسبق المديح.
ومن يتباشر برسائل التحذير يقرأ السطر وينسى ما وراءه، ويرى الاحتمال ويغفل عن الجاهزية التي سبقته، أما السعودي فيفهم أن التحذير علامةُ عنايةٍ، وأن الاحتياط وجهٌ من وجوه القوة، وأن الوطن الواثق يصون أبناءه، ولا يترك سلامتهم للمصادفة.
وبقدرة الله تمضي بلادنا محفوظةً، شامخةً برسالتها ومكانتها، حارسةً قبلة المسلمين، معتزةً بشرف المسؤولية التي اختصَّها الله بها، وهنا يلتقي الإيمان بالعمل، والدعاء بالأخذ بالأسباب، والمحبة بواجب الحماية، فيغدو أمن الوطن نعمة نصونها بالوعي، ونستقبلها بالحمد، ونورث معناها للأجيال.
تبقى المملكة عاليةً بمواقفها، منيعةً بوعيها، كريمةً في قوتها، لا تستعير شموخها من هدوء الظروف، ولا تفقده عند اشتدادها، هنا يتقدَّم الجندي لأداء واجبه، ويثبُتُ المواطن في مسؤوليته، وتمضي الدولة بعقلها الراسخ.
دُمتَ يا وطني مقامًا لا ينخفض، ورايةً تعرفها القمم، وطمأنينةً تسكن القلب؛ لأنها تأسَّست على فعل يستحقُّ الثقة.
ضــــوء
«الإنسان بدون وطنٍ وأمنٍ وأمانٍ، وبدون كرامةٍ وعزةٍ ليس له قيمة، ونحن أهل السعودية من قبائل وأقاليم عشنا بكرامة وعز طوال حياتنا ولم نتعوَّد على نقصٍ أو إهانةٍ أو عدم أمنٍ».
- صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله.