رسيني الرسيني
في اليوم الوطني، تبدو قصة المملكة الاقتصادية مثالًا لوطن جمع بين ثروات أرضه وحكمة أبنائه، من خلال تحويل الوفرة إلى قدرة اقتصادية تتسع مع الزمن. فالنفط لم يكن مجرد مورد يمول الإنفاق، وإنما مكن من بناء المدن والطرق والمطارات والجامعات والمستشفيات والصناعة، وأسهم في تكوين رأس مال مادي وبشري أصبح أساسًا لمرحلة اقتصادية أكثر تنوعًا.
اليوم يبلغ حجم الاقتصاد السعودي نحو 4.8 تريليون ريال، بعد أن نما الناتج المحلي الحقيقي 4.5 % خلال عام 2025م، لكن الأهم من حجم الاقتصاد هو كيف تغيرت مكوناته، وكيف أصبحت الثروة التي بدأت من باطن الأرض تبني فوقها مصادر جديدة للقيمة والنمو وبناء الإنسان.
عبر هذه الرحلة، لم تكن الأموال أصل الدولة فقط، فالإنسان الذي تعلم وتأهل ودخل سوق العمل أصل اقتصادي، والطريق والميناء والمطار وشبكات الاتصالات أصول ترفع كفاءة الاقتصاد، والمؤسسات والأنظمة التي تنظم السوق تزيد قدرته على جذب الأعمال ورأس المال. ويضاف إليها موقع يتوسط ثلاث قارات، وثقافة وتاريخ أصبحا جزءًا من اقتصاد السياحة والترفيه، وسمعة دولية تعزز الثقة والقدرة الاستثمارية. أما الأصول التقنية، فقد تحولت من أداة للخدمة إلى قطاع منتج للقيمة، إذ بلغت مساهمة الاقتصاد الرقمي 16 % من الناتج المحلي في 2024م. وهكذا تضاعفت قيمة ما يملكه الوطن عبر العقود، ليس بإضافة الأصول المادية فقط، وإنما بزيادة قدرة الإنسان على تحويل الإمكانات إلى قيمة اقتصادية.
ومما سبق يمكن قراءة التحول الاقتصادي الجاري اليوم في المملكة، حيث إن التعدين والسياحة والخدمات اللوجستية والصناعة والتقنية ليست مجرد قطاعات جديدة تضاف إلى الناتج المحلي، وإنما أدوات لتوسيع القاعدة التي ينتج منها الاقتصاد دخله وفرصه. وقد يكون النفط بما وفره من عوائد وقدرة استثمارية محركًا مهمًا لبناء هذه القطاعات وتسريع نموها، لكن الغاية أن تتحول مع الوقت إلى محركات اقتصادية قادرة على توليد إيراداتها واستثماراتها وفرص العمل داخلها، وهي قطاعات تقوم عليها أجزاء رئيسية من اقتصادات دول عديدة، بما يؤكد قدرتها على إنتاج الثروة متى توافرت لها المقومات اللازمة.
ولهذا يحمل اليوم الوطني معنى اقتصاديًا فيما يستطيع الوطن تحقيقه، فالثروة قد ترتفع وتنخفض مع أسعار الأسواق، والبنية التحتية تتقادم وتجدد، لكن القدرة الاقتصادية التي تتراكم في الإنسان والمؤسسات والمعرفة والتقنية تستطيع أن تنتج ثروة جديدة جيلاً بعد جيل. وربما يكون هذا هو التحول الأهم في قصة الاقتصاد السعودي الذي يتمثل في رؤية 2030 وقريبًا سنقول رؤية 2040، وبذلك نستمر بالتطور والانتقال من النظر إلى ما نملكه اليوم، إلى بناء ما يمكننا إنتاجه غدًا، وهو أمر مشهود بعد عقود من الاستثمار في الأرض والإنسان والمؤسسة، أصبحنا نعيش مرحلة تجتمع فيها وفرة الموارد الطبيعية مع القدرة على تحويلها إلى قيمة اقتصادية.
حسنًا، ثم ماذا؟
للأوطان ثروات تمنحها الجغرافيا، وثروات أخرى تبنيها الأجيال، وبين هذه وتلك، تُكتب قصة الاقتصاد السعودي.