«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
اختتمت في مدينة الخبر أعمال «ملتقى الشرقية للتطوير والتدريب 2026»، بمشاركة أكثر من 200 خبير وصانع قرار ومختص في التنمية البشرية والتطوير المؤسسي، ناقشوا على مدى يومين مستقبل صناعة التدريب، وقياس أثره، والاستثمار في رأس المال البشري، وتطوير المهارات في ظل التحولات التقنية المتسارعة والذكاء الاصطناعي، تحت شعار «صناعة التدريب.. الأثر وبناء المستقبل».
وشهد الملتقى، الذي أقيم في فندق فوكو الخبر، برنامجًا علميًا وتطبيقيًا جمع بين الأوراق العلمية والجلسات الحوارية وورش العمل والتجارب التطبيقية، إلى جانب معرض مصاحب أتاح للمشاركين فرصًا للتواصل وتبادل الخبرات، في توجه يركز على نقل التدريب من مجرد نشاط لتطوير المهارات إلى استثمار يمكن قياس أثره على الأداء والقرار وبيئة العمل.
وأكد رئيس الملتقى الدكتور يوسف عبداللطيف الناس، في كلمته الافتتاحية، أن الاستثمار في رأس المال البشري يمثل أحد أهم الاستثمارات التي تصنعها المؤسسات والأوطان، مشيرًا إلى أن التحولات المتسارعة في المعرفة والتقنية أعادت تعريف التدريب، فلم يعد قياسه مرتبطًا بعدد البرامج والساعات التدريبية، وإنما بما يتركه من أثر في قدرات الأفراد وأداء المؤسسات.
وأوضح أن الملتقى يسعى إلى بناء مساحة تشاركية تستشرف مستقبل رأس المال البشري، وتناقش الفجوة بين المهارات الحالية ومتطلبات المستقبل، مع تحويل المعرفة والتجارب التي تطرح خلال الفعاليات إلى أفكار وممارسات وشراكات قابلة للتطبيق بعد انتهاء الملتقى.
واستعرض رئيس اللجنة التنظيمية الدكتور عبدالله بن عبدالرحمن الشريف مسيرة الملتقيات والمنتديات السابقة، مشيرًا إلى مشاركة أكثر من 1,200 مشارك ومهتم، و200 متحدث وخبير، وأكثر من 100 جهة راعية وعارضة، إلى جانب تنظيم أكثر من 100 جلسة وورشة عمل ضمن خمسة ملتقيات ومنتديات. كما أشار إلى تجاوز نسبة الرغبة في حضور النسخ المقبلة 95%، باعتبارها مؤشرًا على تفاعل المشاركين مع التجربة.
وفي الجانب العلمي، افتتحت الأوراق الرئيسية بورقة «مثلث المهارات في رؤية 2030» قدمها الدكتور أيوب الأيوب، تناول خلالها العلاقة بين منظومة المهارات ومتطلبات المرحلة التنموية، وأهمية مواءمة القدرات مع احتياجات سوق العمل المتغيرة.
وتناولت الجلسة العلمية الأولى، التي ترأستها الأستاذة ندى منشي، موضوع «من الاتفاق على التدريب إلى الاستثمار في رأس المال البشري»، بمشاركة عبدالعزيز الأحمدي، والدكتورة أسماء خضيرة، والمهندس علي السند، والدكتورة أنوار بوزبون، حيث ناقشت الانتقال من النظر إلى التدريب كنشاط تطويري إلى اعتباره استثمارًا في القدرات والقيمة المؤسسية.
وفي جلسة أخرى، طرح الأستاذ حاتم شهاب سؤال «من الشك إلى اليقين: هل نستطيع حقًا إثبات أثر التدريب؟»، في نقاش ركز على أدوات قياس الأثر، فيما تناولت أوراق أخرى التدريب المؤثر وإعادة تعريف أثره في عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، بمشاركة الكوتش عبدالله الغامدي، والأستاذة فاطمة السبع، والأستاذة منى شامية.
وشهد اليوم الأول مساحة مختلفة حملت عنوان التجارب والقصص، أدارها الدكتور محمد بن باز، واستعرضت تسع تجارب في التدريب والتطوير والموارد البشرية والقطاع غير الربحي والمبادرات المجتمعية. وشارك فيها إبراهيم الشهري من مجلس الجمعيات الأهلية بالشرقية، ومنال أمبون، ومحمد برناوي، وأميرة حكمي، وأنوار البدير، وتركي آل عبداللطيف، وتهاني الزهراني، إلى جانب الدكتور عبدالله النقبي والدكتور حسين الخيري، الذي قدم تجربة «أدرك: حين تتكامل المسارات من أجل الإنسان».
وقدمت التجارب جانبًا تطبيقيًا لفكرة الملتقى، من خلال نماذج شخصية ومهنية ومجتمعية توضح أن قيمة التدريب لا تنتهي بالحصول على المعرفة، وإنما تبدأ عندما تتحول تلك المعرفة إلى ممارسة وقرار ونتيجة قابلة للقياس.
وفي اليوم الثاني، واصل الملتقى برنامجه العلمي بعدد من الجلسات والأوراق التطبيقية؛ من بينها جلسة «المنهجية العلمية في التدريب» التي قدمها الدكتور محمد العامري، وورشة «القائد الذكي عاطفيًا» التي قدمها الأستاذ حاتم شهاب، إلى جانب جلسات علمية أخرى تناولت الممارسة المهنية وتطوير القدرات، وسط تفاعل من الحضور ومداخلات وأسئلة عكست اهتمام المشاركين بالقضايا المطروحة.
كما شهد المعرض المصاحب حضورًا وتفاعلًا من المشاركين، بالتوازي مع حضور لافت للمتحدثات والمشاركات في مختلف الجلسات والبرامج، بما يعكس اتساع المشاركة المهنية في مجالات التدريب والتطوير وتنمية القدرات البشرية.
ووفقًا للجهة المنظمة، يأتي الملتقى في نسخته الثانية بوصفه منصة متخصصة في صناعة التدريب وتنمية القدرات البشرية، مع تركيز على ربط مخرجات التدريب بالعائد والأثر الفعلي، ودعم الابتكار والتحول الرقمي وتطوير القيادات وتمكين المرأة، بما يتسق مع التحولات التي يشهدها سوق العمل ومستهدفات تنمية رأس المال البشري في المملكة.
ومع اختتام أعماله، أعاد الملتقى طرح سؤال جوهري يتجاوز عدد البرامج التدريبية وساعاتها: كيف يمكن تحويل المعرفة إلى قدرة، والقدرة إلى أداء، والأداء إلى أثر مستدام؟ وهو السؤال الذي تركزت حوله معظم جلساته وتجارب المشاركين، في محاولة للانتقال بصناعة التدريب من مفهوم الإنفاق على التأهيل إلى مفهوم الاستثمار في الإنسان وقياس العائد منه.