في بحثٍ استمر عامًا كاملًا في أنحاء أمريكا، أطمح إلى تحديد حدود الخلافات بين القوى العظمى، ونقاط التقاء المصالح المشتركة بين كل من الولايات المتحدة والصين. قبل صعودي إلى الطائرة المتجهة إلى بوسطن أواخر الشهر الماضي، أمضيت ثلاثة أيام في أمرٍ لم أتخيل يومًا أنني سأفعله طوال أكثر من ثلاثين عامًا من تغطيتي للشأن الصيني: تنظيف هاتفي من رسائل بريد إلكتروني قديمة، ومحادثات «تشات» التي قد تُفهم بشكل خاطئ، أو أي شيء آخر يُمكن إساءة فهمه في المطار بالولايات المتحدة وقمت بحذف كل شيء، تحسبًا لأي طارئ. لم أكن أعاني من جنون الارتياب؛ بل كنت أتبع نصيحةً باتت شائعةً بين المسافرين الصينيين المتجهين إلى الولايات المتحدة: اصطحب معك هاتفاً «نظيفاً»، أو -وهو الخيار الأفضل- هاتفاً مؤقتاً (يُستخدم لمرة واحدة). ولطالما تلقى المسؤولون والأكاديميون ورجال الأعمال الأمريكيون المتجهون إلى الصين النصيحة ذاتها. إنها حالُ فئتين من المواطنين في الصين وأمريكا تجمعهما غريزة مشتركة: القلق من أن محتويات الهاتف قد تضع صاحبها في مأزق عند الوصول إلى الطرف الآخر. وفي نهاية المطاف، كانت إجراءات دخولي إلى الولايات المتحدة سريعة وعادية؛ فلم أواجه احتجازاً في غرفة مغلقة، ولا مصادرةً للأجهزة، ولا أيّاً من قصص الرعب التي تداولها الأكاديميون الصينيون في السنوات الأخيرة. لقد كانت الفجوة بين ما خشيته وما حدث بالفعل تجسيداً مصغراً لما أمضيتُ 35 عاماً في الكتابة عنه: الفجوة بين التصور والواقع في العلاقات الأمريكية - الصينية. ابتداءً من هذا الشهر، أتولى منصباً لمدة عام كباحث زائر أول في «معهد مؤسسة راجاوالي لآسيا» التابع لكلية كينيدي بجامعة هارفارد. إن هدفي واضح في صياغته ولكنه صعب التحقيق: وهو الجلوس مع قادة الفكر الأمريكيين من مختلف الأطياف السياسية، وسؤالهم عن وجهة هذه العلاقة، وعما إذا كان الصراع حتمياً كما يبدو عليه الحال الآن. ولفهم سبب أهمية هذا السؤال، من المفيد إلقاء نظرة سريعة على الماضي؛ فقد بدأت العلاقة انحدارها الحالي في عام 2018، حين أطلقت إدارة ترامب الأولى شرارة البداية في الحرب التجارية. وفي ذلك الوقت، بدا الصدام مفاجئاً وصادماً، لكنه في الواقع لم يكن مفاجئاً على الإطلاق؛ إذ كانت المظالم تتراكم بهدوء على مدى عقود في مجالات الحكومة والصناعة والتجارة والأوساط الأكاديمية والعلوم والتكنولوجيا. وما تغيري عام 2018 هو أن تلك المظالم وجدت أخيراً طريقها إلى الظهور على السطح. وقد تضافرت مع ذلك مخاوف هيكلية؛ ففي واشنطن، يسود شعور بتآكل الهيمنة الأمريكية في قطاع التصنيع ومكانة القوة العظمى. وفي بكين، ثمة قلق مماثل في جوهره: يتمثل في الخوف من أن أمريكا - التي تعاني من تراجع في نفوذها لكنها لا تزال مهيمنة - ترفض تقبّل واقع صعود الصين، وهي عازمة على كبح تطورها من خلال الرسوم الجمركية، وضوابط تصدير التكنولوجيا، والتحالفات التي أُقيمت خصيصاً لهذا الغرض. وقد غذّى هذا القلق المتبادل، بدوره، قوى أقل عقلانية على جانبي المحيط الهادئ، تمثلت في روايات منقوصة، وخطاب عدائي، وشائعات تُقدم على أنها حقائق؛ وكل ذلك ألحق الضرر بصورة كل طرف في نظر الرأي العام لدى الطرف الآخر. ففي واشنطن، ثمة ملاحظة ساخرة تشير إلى أن السياسيين الأمريكيين لا يتفقون على شيء تقريباً سوى ضرورة اتخاذ موقف صارم تجاه الصين، بينما تحول المزاج العام في الصين تجاه الولايات المتحدة إلى حالة من الاستياء. لقد تلاشت إلى حد كبير مشاعر حسن النية التي تراكمت على مدى عقود من التفاعل، وحلّت محلها حالة من الريبة المتبادلة والحذر؛ وتُعد عملية مسح بيانات هاتفي مثالاً صغيراً -لكنه دالّ - على ذلك. لا يعني هذا بأي حال التقليل من خطورة المرحلة الراهنة؛ ففي الأسبوعين الماضيين وحدهما، طرح مسؤولون في وزارة الخزانة الأمريكية احتمال فرض عقوبات على بنوك صينية بسبب تعاملاتها مع إيران، وهو مقترح قوبل برد فعل حاد ورافض من جانب بكين. وقد عبّر «لونغ غوتشيانغ» -نائب المدير العام لمركز أبحاث التنمية التابع لمجلس الدولة (وهو مؤسسة بحثية حكومية بارزة) - عن المزاج السائد في بكين حين حذّر مؤخراً من أن الولايات المتحدة لا تزال تمثل «أكبر مصدر خارجي لحالة عدم اليقين التي تؤثر على مسار التحديث في الصين». وهو يرى أن سياسة الاحتواء الأمريكية للصين ستستمر وتزداد حدة على المدى الطويل، بغض النظر عن الهدنة في الحرب التجارية. إن تحذير «لونغ» ليس خاطئاً، غير أن الهدنة - مهما كانت مؤقتة - تفتح باباً للفرص أيضاً. فبعد قمة ترامب وشي بينج في بكين خلال شهر مايو الماضي، من المقرر أن يلتقي الرئيس شي جين بينغ والرئيس دونالد ترامب ثلاث مرات أخرى هذا العام؛ إذ يُنتظر وصول الرئيس شي إلى واشنطن في وقت لاحق من هذا الشهر، مع احتمالية عقد لقاءات إضافية على هامش اجتماعات قادةمنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ» (أبيك) ومجموعة العشرين في شهري نوفمبر وديسمبر. ومن المفهوم أن ينصبّ جانب كبير من التغطية الإعلامية لهذه الاجتماعات على النتائج الملموسة، مثل الاتفاقيات المتعلقة بالتجارة والاستثمار والتكنولوجيا. لكن بكين وواشنطن قد تستغلان هذه اللحظة أيضاً للنظر إلى الصورة الأوسع، وذلك عبر ثلاثة مسارات لا تحظى بالاهتمام الإعلامي الذي تستحقه. فعلى صعيد التحديات العالمية، هل لا يزال بإمكان القوتين التعاون بشأن تغير المناخ والأوبئة المستقبلية، حتى وإن كانت الإدارة الأمريكية الحالية لا تبدي حماساً يُذكر تجاه القضية الأولى؟ وفيما يتعلق بالتفاعل المشترك، يُعد التعاون في مجال إنفاذ القانون - لمكافحة الجريمة العابرة للحدود، وعمليات مراكز الاحتيال المتنامية على أطراف الصين، وتدفق المواد الكيميائية الأولية المستخدمة في تصنيع عقار «الفنتانيل» إلى أمريكا الشمالية - مثالاً بارزاً؛ فقد استمر التعاون الهادئ بشأن المواد الكيميائية الأولية حتى في ذروة الحرب التجارية، مما يثبت أن الترتيبات المحددة والمفيدة للطرفين يمكن أن تصمد أمام حالة العداء الأوسع نطاقاً عندما يرى الجانبان مصلحة مباشرة في تحقيق النتائج.
أخيراً، وفيما يخص القواعد التنظيمية العالمية، هل يمكن للحكومتين إيجاد أرضية مشتركة لتنظيم الذكاء الاصطناعي والفضاء وغيرها من التقنيات الناشئة؟ في الوقت الراهن، يركز الخطاب السائد في كلتا العاصمتين بشكل طاغٍ على الجوانب السلبية، بينما يقل الحديث كثيراً عن المجالات التي لا يزال فيها التعاون ممكناً - بل وضرورياً - أيضاً. هذا ما أعتزم استكشافه خلال العام المقبل. فبحكم خبرتي الطويلة في المراقبة والتحليل، أعتبر نفسي متفائلاً يتمتع برؤية واقعية؛ إذ أدرك تماماً عمق التشاؤم المتجذر في هذه العلاقة، لكنني أرفض التسليم بحتمية الصراع بين واشنطن وبكين.
ومن مقر إقامتي في كامبريدج، أخطط لتوسيع نطاق تواصلي ليتجاوز مراكز الفكر المألوفة للمراقبين المتخصصين في الشأن الصيني، وليشمل أوساطاً لا تتبنى عادةً وجهة النظر الصينية للعالم، وذلك مع السعي قدر الإمكان لتنحية حدسي وافتراضاتي المسبقة جانباً. ما الذي سأكتشفه بحلول موعد انتهاء هذه الزمالة؟ لا أعلم. ولكن، بعد ثلاثة عقود قضيتها في رصد كيف غالباً ما تختلف التصورات عن الواقع في هذه العلاقة، لا يزال يحدوني الأمل في أن الواقع - إذا ما أُخضع لفحص دقيق - يفسح المجال أمام تعايش القوتين العظميين؛ تعايشٍ يتسم بالاستدامة والسلم، ويصب في مصلحة الجميع.
- عن صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست» الصينية
** **
بقلم: وانغ شيانغ - وي - وانغ شيانغ-وي، باحث زائر أول في معهد «راجاوالي» لآسيا التابع لكلية «هارفارد كينيدي»، وشغل سابقاً منصب رئيس تحرير صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست».