م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي
1 - الولاء للوطن أو حب الوطن ليسا عبارة مترفة تتنزل من شرفة قصر، ولا صرخة جائع يتضور على قارعة الطريق.. الوطن أكبر من أن يكون شعاراً يُرفع في مناسبة، أو أغنية تُردد في احتفال، أو كلمات عاطفية تُقال ثم تنتهي بانتهاء المناسبة.. الولاء الحقيقي موقف، ومسؤولية، واختيار أخلاقي يتجسد في الرغبة الصادقة في التضحية من أجل الوطن وأهله وتاريخه، والعمل على حمايته وتحصين مستقبله من أسباب الضعف والدمار والانهيار.. وفي اليوم الوطني، ربما يكون السؤال الأهم ليس: كم نحب وطننا؟ وإنما: كيف نثبت هذا الحب؟
2 - الوطنية ليست حالة شعورية عابرة، بل سلوك يومي.. قد يكون حب الوطن في إتقان العمل، وفي احترام النظام، وفي حماية المال العام، وفي المحافظة على الممتلكات، وفي أداء الواجب، وفي الصدق مع الناس، وفي ألا يستغل الإنسان موقعه أو سلطته أو علاقاته للإضرار بالمصلحة العامة.. وقد تكون الوطنية في موقف صغير لا يراه أحد، لكنه يضيف شيئاً إلى الوطن بدلاً من أن ينتقص منه.. ولهذا فإن الوطنية لا تقاس بارتفاع الصوت، ولا بكثرة الشعارات، ولا بحجم الادعاء.. أحياناً يكون أكثر الناس حديثاً عن الوطن أقلهم خدمة له، بينما يعمل آخرون في صمت، ويبنون ويعلمون ويعالجون ويبتكرون ويحمون وينجزون، من دون أن يجدوا حاجة إلى إعلان وطنيتهم كل صباح.
3 - لكن ثمة سؤالاً أكثر عمقاً: هل اختلاف الدين أو الثقافة أو اللغة بين أبناء الوطن الواحد ينتقص من مواطنتهم؟ الوطن الحديث لا يقوم على التطابق الكامل بين مواطنيه، وإنما على قدرتهم على الاجتماع حول إطار جامع يحفظ حقوقهم ويحدد واجباتهم.. فالمواطنة ليست امتحاناً في التشابه، وليست مطالبة بأن يكون الناس نسخاً متطابقة من بعضهم بعضاً.. والتنوع الذي لا يمس وحدة الوطن يمكن أن يكون مصدر قوة، حين يتحول اختلاف الناس إلى تعدد في الخبرات والرؤى والقدرات.. أما حين يصبح الاختلاف ذريعة للإقصاء والتصنيف والتشكيك في الانتماء، فإن المشكلة لا تعود في الاختلاف، وإنما في طريقة التعامل معه.
4 - وهل الوطنية أن تعطي الوطن بمقدار ما تأخذ منه؟ أم أن الوطنية الحقيقية أن تعطي أكثر مما تأخذ؟ أم أن الأمر كله لا يتجاوز بطاقة هوية؟ بطاقة الهوية تثبت الانتماء القانوني، لكنها لا تستطيع وحدها أن تثبت الانتماء الوجداني أو الأخلاقي.. قد يكون الإنسان مواطناً بحكم الوثيقة، لكنه لا يؤدي واجبه تجاه وطنه.. وقد يعطي إنسان لوطنه من علمه ووقته وماله وخبرته أكثر مما أعطته المؤسسات التي يعمل فيها، فيصبح انتماؤه فعلاً لا مجرد صفة.. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا أعطاني الوطن؟ بل: ماذا أستطيع أن أعطيه؟ فالأوطان لا تُبنى فقط بما تقدمه لمواطنيها، وإنما أيضاً بما يقدمه المواطنون لها.. وكلما ارتفع وعي الإنسان بوطنه، انتقل من النظر إلى العلاقة باعتبارها حقوقاً فقط، إلى إدراك أنها حقوق وواجبات ومسؤولية متبادلة.
5 - وهل الوطنية تعني أن نكره كل الأوطان الأخرى؟ إذا كان حب الوطن يحتاج إلى كراهية الآخرين حتى يثبت، فهذه ليست وطنية، وإنما تعصب.. يمكن للإنسان أن يحب وطنه عميقاً، وأن يعتز بتاريخه وثقافته وهويته، من دون أن يحمل الكراهية لشعوب أخرى.. فالوطنية لا تحتاج إلى عدو دائم كي تبرر وجودها، ولا يصبح الوطن أعظم لأن وطناً آخر أقل شأناً.. إن احترام الآخرين لا ينتقص من اعتزازنا بأنفسنا، كما أن تقدير إنجازات الأمم الأخرى لا يعني التقليل من وطننا.. بل إن الثقة الحقيقية بالوطن تجعل الإنسان قادراً على النظر إلى العالم بعين مفتوحة، فيأخذ من تجارب الآخرين ما ينفعه، ويحتفظ في الوقت نفسه بخصوصيته وهويته.
6 - ثم هناك السؤال الذي طالما اختلطت فيه الوطنية بالعصبية: هل الوطنية أن تكون من غزية إن غوت غويت، وإن رشدت رشدت؟ الوطنية ليست غريزة القطيع.. ليس مطلوباً من المواطن أن يصفق لكل شيء، أو أن يوافق على كل شيء، أو أن يحول انتماءه إلى تعطيل لعقله وضميره.. فالإنسان الذي يحب وطنه لا يتخلى عن عقله من أجله، وإنما يستخدم عقله لخدمته.. والفرق كبير بين الولاء والانقياد؛ بين الوفاء والتعصب؛ بين الدفاع عن الوطن والدفاع عن كل ما يصدر باسمه.. الولاء الحقيقي لا يجعل المواطن تابعاً، بل يجعله مسؤولاً.
7 - وفي اليوم الوطني السعودي، تبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً؛ لأن الاحتفاء بالوطن ليس استعادة لتاريخ مضى فحسب، وإنما تذكير بما يعنيه الانتماء إلى وطن يتغير ويتقدم ويعيد تشكيل مستقبله.. لقد أصبح الوطن مشروعاً مستقبلياً بقدر ما هو ذاكرة تاريخية.. ولذلك فإن حب الوطن اليوم لا ينبغي أن يُختزل في الاحتفال بماضيه، بل في المشاركة في صناعة مستقبله.. فالمواطن الذي ينجح في عمله، ويؤدي واجبه، ويحترم النظام، ويحافظ على مكتسبات وطنه، ويرفض الفساد، ويصون المال العام، ويحترم المختلف، ويعلم أبناءه معنى المسؤولية، ويضيف إلى مجتمعه بدلاً من أن يكون عبئاً عليه؛ كل هؤلاء يمارسون الوطنية بصورتها الأكثر صدقاً..
8 - الوطن في النهاية ليس أرضاً فقط، ولا حدوداً مرسومة على الخريطة، ولا اسماً في جواز السفر.. الوطن ذاكرة نرثها، وحاضر نعيش فيه، ومستقبل نتحمل مسؤولية تسليمه لمن يأتي بعدنا.. ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن نقوله في اليوم الوطني ليس أننا نحب الوطن، فالحب كلمة سهلة يستطيع الجميع قولها، وإنما أن نسأل أنفسنا: ماذا فعلنا بهذا الحب؟ فالوطنية التي لا تتحول إلى عمل تظل شعوراً، والوطنية التي لا تتحول إلى مسؤولية تظل شعاراً، والوطنية التي لا تظهر في المواقف الصعبة تظل كلاماً جميلاً.. أما الولاء الحقيقي، فهو أن يكون الوطن في الضمير حين نقرر، وفي السلوك حين نعمل، وفي الموقف حين نختلف، وفي المسؤولية حين نُطالب، وفي التضحية حين يحتاج الوطن إلينا.