ثامر الشهراني
ليست المشكلة في استخدام بعض وكالات الأنباء العالمية للمصادر المجهولة أو شهادات شهود العيان، فذلك قد يكون ضرورة في الحروب والأزمات. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى نمط، وعندما تُبنى روايات سياسية وعسكرية واسعة على معلومات لا يستطيع القارئ اختبار مصدرها أو معرفة حدودها.
أول مواطن الخلل هو ضعف الشفافية المصدرية، فعبارات مثل «مصادر مطلعة» أو «مسؤولون تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، تمنح الصحفي معلومة، لكنها لا تمنح القارئ بالضرورة وسيلة للتحقق منها أو تقييم موقع المصدر ومصلحته.
وثانيها الإفراط في الروايات أحادية المصدر أو محدودة المصادر، خصوصًا في الملفات الإيرانية والإقليمية. وثالثها توسيع شهادة شاهد العيان إلى استنتاج سياسي أكبر من حدود ما يستطيع إثباته؛ فالشاهد يصف ما رأى، لكنه لا يملك بالضرورة تفسير ما حدث أو خلفياته.
ورابعها ضعف قابلية التحقق المستقل. فالخبر الصادر عن وكالة أنباء عالمية ينتقل سريعًا إلى عشرات المؤسسات، ثم يعود إلى الجمهور باعتباره حقيقة إعلامية راسخة، بينما يظل أصل المعلومة خلف ستار السرية.
أما الخلل الخامس فهو التداخل بين الخبر والتحليل. فقد تبدأ المادة بمعلومة من مصدر مجهول، ثم تنتقل إلى تفسير لدوافع دولة أو تقدير لمسار صراع، دون أن يكون الفاصل بين المعلومة المؤكدة والاستنتاج واضحًا بما يكفي.
تزداد حساسية هذه الممارسات في الملفات الإيرانية، حيث تتقاطع الحرب والدعاية والمصالح الإقليمية والدولية. ولذلك فإن أسماء مراسلي هذه الملفات، يجب ألا تكون معيار الحكم؛ فالصحفي يُقاس بما ينشره، وبمصادره، وبقدرته على عرض الروايات المتعارضة، لا بأصله أو هويته.
المسألة إذن ليست اتهام كل تقرير بالخطأ، ولا القول إن كل مصدر مجهول غير موثوق. وإنما السؤال عن المعيار التحريري: هل يتناسب حجم الادعاء السياسي مع حجم الأدلة التي يستطيع المتلقي التحقق منها؟
وعليه، فإن الخلل المهني الذي يستحق المساءلة يتمثل في الإفراط في المصادر المجهولة، محدودية الشفافية، ضعف التحقق المستقل الظاهر، الاعتماد على روايات محدودة، وعدم الفصل الواضح أحيانًا بين نقل المعلومة وتفسيرها.
فالوكالة التي تصنع الأخبار للعالم لا يكفي أن تطلب من الجمهور الثقة باسمها؛ بل عليها أن تجعل الأدلة هي التي تصنع الثقة.
وفي النهاية، السؤال ليس: هل قالت وكالة الأنباء العالمية ذلك؟ بل: ما الذي يستطيع القارئ أن يتحقق منه بعيدًا عن الوكالة العالمية ومصادرها المجهولة؟