د. نجوى الكحلوت
مع حلول اليوم الوطني تستيقظ في الذاكرة أغنيات وطنية بنسجٍ قصيبي قشيب، فقد تغنى -رحمه الله- بأمجاد الوطن بأجمل الأحان التي جسدت مشاعر المواطن المحب الفخور بوطنه، فقد جعل من الجغرافيا قصيدةً نابضةً بالحب والوفاء.لم يكن الوطن عند القصيبي مساحةً محددةً بحدود المكان، كان ذاكرةً واسعة تتعدد فيها الوجوه والأمكنة، تغنّى بنجد في قصيدته «أنت الرياض»، وبالشمال في «حائلية»، وبالمنطقة الشرقية في «جبيل»، وبالجنوب في «أبها»، ثم اتسعت دائرة الحرف لتشمل مناطق الوطن كلها في قصيدته «ونحن فهد» 1990م، التي يقول فيها:
أجل نحن الحجاز ونحن نجد
هنا مجدٌ لنا وهناك مجدُ
ونحن جزيرة العُرب افتداهـا
ويفديها غطارفةٌ وأُسدُ
ونحن شـَمالُنا كِبرٌ أشـمٌ
ونحن جنوبنا كبرُ أشدُ
ونحن عسـيرُ مطلبـها عسيرٌ
ودونَ جبالها برقٌ ورعدُ
ونحن الشاطئ الشرقيُ بحرٌ
وأصداف وأسياف وحشدُ
ونحن البيدُ راياتٌ لفهدٍ
ونحنُ جميع من في البيد فهدُ
ومن أجمل تجلياته الوطنية قصيدته الشهيرة «أنت الرياض» 1976م، امتزجت فيها ألوان الحب، وفيها تعاورت الرياض والحبيبة الأدوار حتى بدا العشق واحدًا وإن اختلفت صورة المعشوق. يقول:
كأنك أنت الرياض
بأبعادها
بانسكاب الصحاري
على قدميها
وطعم الغبار على شفتيها
أحبك حبي عيون الرياض
يغالب فيها الحنين
أحبك حبي جبين الرياض
يظل تلفّه الكبرياء
وفي هذا التماهي بين المرأة والمدينة يكمن السر عند القصيبي، في تحويل المكان إلى كائن حي؛ له وجنتان وشفاه وجبين وكبرياء، وله أيضًا قسوة العاشق والمعشوق، وبُعدٌ يستدعي الشوق، وسفرٌ يطول الوصول إليه:
وفاتنة أنت مثل الرياض
ترق ملامحها في المطر
وقاسية أنت مثل الرياض
تعذب عشاقها بالضجر
ونائية أنت مثل الرياض
يطول إليك السفر
حتى تنتهي الرحلة العاطفية إلى ذروتها:
وأحلم أنا امتزجنا
فصرتُ وصرتِ الرياض وصرنا الرياض
وهنا جاءت صوره محمّلة بالعاطفة، قادرة على أن تجعل القارئ يرى المكان بعين المحب، لا بعين العابر.
ومن الرياض إلى أبها، «عروس الربى الحبيبة» 1976م، حيث يفتح نافذة أخرى على جمال الوطن، فيقول:
يـا عروسَ الربى الحبيبـة أبهـا
أنتِ أحلى من.. الخيال وأبهى
كلما حرك النفوسَ جمالٌ..
كنتِ أزكي شذى وأنضر وجها..
وفي هذه القصيدة يستدعي القصيبي الطبيعة بكل فتنتها؛ الجمال، والشذى، والربيع، والنجم، حتى يبدو أن الطبيعة نفسها مأخوذة بجمال أبها، وأن المكان قادر على أن ينافس الخيال في بهائه.
ويصحبنا جمال حرفه إلى لحمة الخليج، فقد كانت وطنيته متعددة الاتجاهات، ضاربة في العمق ممتدة من الوطنية السعودية إلى الخليجية وإلى الوطنية العربية أيضا، وله في ذلك الكثير من القصائد التي تشارك الأوطان همومها ونكباتها. وعن الوطنية الخليجية ينطلق من الجسر الذي ربط الوطن بالبحرين، يقول في قصيدة ملؤها الحب والولاء وختامها الثقة بالله 1982م:
ضربٌ من العشق لا دربٌ من الحجر
هذا الذي طارِ بالواحاتِ للجزر
ساق الخيامَ الى الشطآن فانزلقت
عبر المياهِ شراعٌ أبيض الخَفَر
ماذا أرى؟ زورق في الماء مندفعٌ
أمْ أنه جملٌ ما مل من سفر؟
وهذه أغنيات الغوص في أذني
أمِ الحداةُ شَدَوا بالشعرِ في السَحَرِ
واستيقظت نخلةٌ وَسنَى تُوَشوشُني
من طوَّقَ النخلَ بالأصداف والدُررِ؟
نسيتُ أين أنا إن الرياض هنا
مع المنامةِ مشغولانِ بالسمَرِ
أمْ هذه جِدةُ جاءت بأنجُمِهَا
أمِ المُحَرق زارتَنا معَ القَمَرِ
وهذه ضَحِكاتُ الفجرِ في الخُبرِ
أمِ الرفاعُ رنت في موسمِ المطرِ
أم أنها مسقطُ السمراءُ زائرتي
أم أنها الدوحةُ الخضراءُ في قَطَرِ
أم الكويتُ التي حيت فهِمتُ بها؟
أم أنها العينُ كم في العينِ من حَوَرِ؟
بدوٌ وبحارةٌ ما الفرقُ بينهما
والبرُ والبحر ينسابانِ مِنْ مُضَرِ
خليجُ إن حبالَ الله تربطُنَا
فهلْ يقربُنا خيطٌ مِنَ البَشَرِ؟
ثم يأخذنا إلى شمال المملكة، إلى حائل، التي يحيّيها في قصيدته «حائلية» بوصفها مكانًا يختزن المجد والكرم والبطولة. يقول:
أتيـتُ أعبـر مــن بـحـر الـهـوى لُجـجـا
حـتى لقـيـتُـك طـلــقَ الـروحِ مبـتـهـجـا
لـثـمـتُ جـبـهَـتَــكِ الـسـمـراءَ أعـرفهــا
لـلكـبــر مـنـطـلـقًــا ، لـلعـز مـنـعـرجــا
سـرحـتْ عـيـنـيَّ فـــي وجــهٍ مـلامِـحُـه
السـحـرُ فيـهـا وحـلـو الهـيـبـةِ امـتـزجـا
يـا حائـلَ المجـدِ كـم مـجـدٍ شمـخْـتِ بــه
تـنـدى الـشـواهـقُ مـن تـذكـاره أرجــا
مــازلـت تـبـتـكـريـن الـمــجــدَ مـلـحـمـةً
إن شـاعــرٌ هــزجــا أو فــارسٌ لـهـجــا
يا حـائـل المجـد مجـدي أن أكـون هنـا
أنيـخ قلبي فــي سلمـى الـرؤى وأجـا
وإلى نسائم الشرقية التي تطل في قصيدة «جبيل» 1984م:
جبيل يا دانة الغواص عاوديني
شوقي فجئتك محمولا على أرقي
جبيل ما أروع الأحلام إن عبرت
على الصعاب وإن داست على القلق
فيما تحضر الهفوف في قصيدة «أم النخيل أمي» يبث فيها أحزانه وأشواقه وما مر به من أسفاره، ويظهر «قمر الرياض» في مرثيته لمن استشهدوا في إحدى التفجيرات الغاشمة. وفي قصيدة «يا وطني» يتجاوز الشاعر حدود الوطن المحلي إلى الوطن العربي، فيناجيه ويتأسى لما أصاب أجزاء منه من كربات ومحن.إن قراءة هذه القصائد مجتمعة تكشف لنا أن غازي القصيبي لم يكن يكتب عن الأماكن بقدر ما كان يكتب من داخلها؛ كان يلتقط روح المكان، ويستدعي ذاكرته، ويمنحه صوتًا وملامح ومشاعر. ولذلك تبدو مدنه في شعره أكثر من أسماء جغرافية؛ إنها كائنات محبوبة، وذاكرات مشتركة، وأبواب مفتوحة على معنى الوطن، كان يستخرج من كل مدينة ما يجعلها جزءًا من الذاكرة السعودية، وربما لهذا بقيت أغنيات القصيبي الوطنية حاضرةً في الذاكرة؛ لأنها لم تعتمد على الشعارات وحدها، وإنما جعلت الحب طريقًا إلى الوطن، وجعلت المكان مدخلًا إلى الإنسان، والإنسان شاهدًا على جمال وطنه.