أ.د.محمد بن حسن الزير
حينما أرشد الله الملك عبدالعزيز وأعانه على استعادة الرياض عام 1319هـ، ووفقه لإعادة الدولة لسعودية، التي تأسست على يد الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- عام 1139هـ سيرتها الأولى، التي كان مفخر أعمالها الصالحة العظيمة الكثيرة، تحقيق الأمن والأمان، والاستقرار والرخاء للبلاد والعباد في ربوع بلاد الحرمين وحماها جزيرة العرب، تحت راية الحق راية؛ (لا إله إلا الله محمد رسول لله)، وليعيد لتاج الدولة جوهرته الغالية النفيسة النادرة، الفريدة، ألا وهي تحقيق أمن الحج ومشاعره والحجاج ومسالكهم إلى البيت العتيق في مكة المكرمة، والزائرين لمسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومهاجره الشريف، وكان هذا الهدف السامي هو مطلب أئمة آل سعود الكرام، وغايتهم على مرِّ العصور، في عهودهم السابقة الآمنة المطمئنة، التي عمَّت الديار وأهلها، فنعم الجميع في ظلالها الوارفة بالحياة الهادئة المستقرة، في بلدة طيبة ورب غفور!
وعندما نهض «صقر الجزيرة» الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيَّبَ الله ثراه- واستكمل استعادة «الرياض» عاصمة الدولة السعودية، في مرحلتها الثانية، على يد الإمام تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود -رحمهم الله- انطلق على بركة الله، في كفاح متواصل وجهاد مستمر، مستعيناً بالله، ثم برجاله الأوفياء، الذين يشاركونه الرسالة والهدف والإخلاص في دينهم لله، فيما أظهروه من أعمال صالحة، وفيما أعلنوه من دُعاء واتجاه إلى مرضاة الله، وابتغاء طاعته وحُسن ثوابه.
وفي تلك الأثناء وخلال تلك المسيرة العظيمة؛ مسيرة الوحدة والتوحيد وبسط الأمن والاستقرار، كانت أحوال الحج والحجاج، ومسالك دروبهم للوصول إلى البلد المحرم تئن تحت وطأة أوضاع بالغة الخوف والخطورة والشدة والمعاناة، وكانت تلك الأحوال المأساوية التي يعانيها قاصدو بيت الله الحرام في مكة المكرمة، وقاصدو مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في مهاجره الشريف في المدينة المنورة، قد خالطت سمع وبصر وبصيرة صقر الجزيرة «عبدالعزيز بن عبدالرحمن» واستقرت في وعيه واهتمامه، وكان تحقيق الأمن فيها ولها هدفاً أصيلاً لمسيرته المظفرة بعون الله وتوفيقه.
وقد خالطت تلك الأوضاع المأساوية للحجاج عامة ورعايا مكة وما حولها، في تلك الأوقات، سمع الشاعر أحمد شوقي -رحمه الله- وحركت مشاعره الإسلامية، وعواطفه الجياشة النبيلة.. فصاغ ذلك في قصيدة رائعة معبرة، أنشأها عام 1322هـ، الموافق 1 إبريل عام 1904م وقيل عام 1327هـ الموافق 1909م، وسجَّل فيها ضجيج الحجاز والبيت والحرم وصرخته، ورفع بها عقيرته مستنهضاً بها همة كل ذي أمر وشان؛ ولكن الله، وهو صاحب الأمر، قد قيَّض عبده عبدالعزيز لهذه المهمة العظيمة؛ ليحقق عليه يديه تأمين سبل الحج وتأمين مهوى أفئدة الحجاج والقاصدين!وها هي فيما يلي بعض أبيات رائعة شوقي البيانية:
ضَجَّ الحِجازُ وَضَجَّ البَيتُ وَالحَرَمُ
وَاِستَصرَخَت رَبَّها في مَكَّةَ الأُمَمُ
أُهينَ فيها ضُيوفُ اللَهِ وَاِضطُهِدوا
إِن أَنتَ لَم تَنتَقِم فَاللَهُ ُمنتَقم
أَفي الضُحى وَعُيونُ الجُندِ ناظِرَةٌ
تُسبى النِساءُ وَيُؤذى الأَهلُ وَالحَشَمُ
وَيُسفِكُ الدَمُ في أَرضٍ مُقَدَّسَةٍ
وَتُستَباحُ بِها الأَعراضُ وَالحُرَمُ
الحَجُّ رُكنٌ مِنَ الإِسلامِ نُكبِرُهُ
وَاليَومَ يوشِكُ هَذا الرُكنُ يَنهَدِمُ
عَزَّ السَبيلُ إِلى طَهَ وَتُربَتِهِ
فَمَن أَرادَ سَبيلاً فَالطَريقُ دَمُ
إلى أن يقول:
رَبَّ الجَزيرَةِ أَدرِكها فَقَد عَبَثَت
بِها الذِئابُ وَضَلَّ الراعِيَ الغَنَمُ
كَفى الجَزيرَةَ ما جَرّوا لَها سَفَهاً
وَما يُحاوِلُ مِن أَطرافِها العَجَمُ
ويختم بقوله:
فَجَرِّدِ السَيفَ في وَقتٍ يُفيدُ بِهِ
فَإِنَّ لِلسَيفِ يَوماً ثُمَّ يَنصَرِمُ
رحم الله الملك عبدالعزيز وطيَّبَ ثراه، وحفظ الله بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، ووفق ولاة أمرها لكل خير، وسدد رميهم ونصرهم على عدوهم ونصرهم بالإسلام ونصر الإسلام بهم؛ بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان.