علي عبدالله الخليفة
في حياة الأمم لحظات فاصلة تختصر التاريخ كله في مشهد واحد، ومع ذكرى اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية ليس هناك مشهد أكثر عمقًا ودلالة من تلك اللحظة التي وقف فيها الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - ورجاله الأوفياء أمام قصر المصمك عام 1902م، معلنين بداية عهد جديد لدولة وُلدت من رحم التحديات.
في باب المصمك العتيق، تبرز فتحة صغيرة تُعرف بـ»الخوخة»، لا يمر منها المرء إلا منحنياً أو فردًا فردًا نظرًا لضيقها وصعوبة العبور منها، ولكن رجال الملك عبدالعزيز الأبطال اجتازوها بشجاعة وعزيمة ليصبح ذلك العبور الصغير رمزًا لبداية مشروع أكبر هو بناء دولة حديثة على أرض الجزيرة العربية.
من تلك الخوخة الضيقة بدأت مسيرة وطن واجه على مدى عقود، تحولات اقتصادية وأزمات إقليمية وتهديدات أمنية متعاقبة ثم تغيرت طبيعة التحديات بتغير العالم، لكن بقيت إدارة الأزمات، وبناء القوة، وتوسيع الخيارات، من السمات البارزة في مسيرة الدولة السعودية.
في عهد الملك فيصل، برز النفط كأداة مؤثرة في السياسة والاقتصاد الدوليين، وكانت المملكة طرفًا رئيسيًا في الموقف النفطي العربي عقب حرب أكتوبر 1973م. وفي عهد الملك خالد، واجهت المملكة تحولات إقليمية عميقة، مع الثورة الإيرانية عام 1979م، واقتحام المسجد الحرام، ثم الحرب العراقية - الإيرانية عام 1980م.
وفي عهد الملك فهد، جاءت أزمة الخليج عام 1990م، فبرز الدور السعودي في استضافة قوات التحالف والمشاركة في إدارة الأزمة، وصولًا إلى تحرير الكويت عام 1991م.
وفي عهد الملك عبدالله، واجهت المملكة موجة الهجمات الإرهابية التي بدأت عام 2003م، فطورت أدواتها الأمنية والاستخباراتية لمواجهة تهديد تجاوز حدوده التقليدية.
ومع تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، اتسعت أدوات القوة السعودية لتشمل الاقتصاد والطاقة والدبلوماسية والتقنية والصناعات الدفاعية، ففي عام 2015م واجهت المملكة تحديًا أمنيًا إقليميًا مباشرًا بإطلاق «عاصفة الحزم»، ثم جاء التحدي الأوسع عام 2020م مع جائحة كورونا، التي تحولت من أزمة صحية إلى صدمة عالمية طالت الاقتصاد والأسواق والتجارة وسلاسل الإمداد والطاقة واتخذت المملكة إجراءات صحية واقتصادية واسعة لدعم الأفراد والمنشآت والحد من تداعيات الجائحة.
واليوم، بينما يحتفل الوطن بيومه الوطني، تبدو الجغرافيا نفسها التي صنعت تاريخ المنطقة جزءًا من معادلات الاقتصاد والسياسة العالمية، فمضيق هرمز وباب المندب ليسا مجرد ممرين بحريين، بل شريانان لحركة الطاقة والتجارة الدولية، وأي اضطراب فيهما يمكن أن يمتد أثره إلى الأسواق وسلاسل الإمداد حول العالم.
وهنا تستعيد «خوخة المصمك» معناها الرمزي من جديد؛ فالدولة التي واجه مؤسسوها يومًا بابًا ضيقًا بإمكانات محدودة، أصبحت اليوم تملك بنية تحتية وموانئ وممرات بديلة وقدرات لوجستية وصناعية تمنحها خيارات أوسع في مواجهة اضطرابات الممرات الإستراتيجية،
ويأتي خط أنابيب الشرق - الغرب لنقل النفط مثالًا واضحًا على بناء هذه البدائل، إذ يتيح للمملكة نقل الخام إلى البحر الأحمر، متجاوزًا مضيق هرمز، أما باب المندب، فتبقى تداعيات اضطرابه مرتبطة بحركة الشحن والتجارة، وهنا تظهر أهمية بناء البدائل وتوسيع الخيارات، بما يضمن استمرار حركة الطاقة والتجارة ويحد من أثر الأزمات الجيوسياسية على الاقتصاد.
فبالأمس من «خوخة» ضيقة في باب المصمك، بدأت رحلة دولة، واليوم تواجه المملكة عالمًا تتقاطع فيه الجغرافيا مع الاقتصاد والأمن والطاقة. وبين الأمس واليوم تغيرت الأدوات، لكن بقي درس واحد هو أن الدولة التي واجه رجالها قبل أكثر من قرن تحدياتهم بإمكانات محدودة، واستطاعوا بعزيمتهم بناء وطن شامخ، تملك اليوم - بفضل الله وحكمة قيادتها وإخلاص أبنائها - من القوة والخيارات ما يعينها على تجاوز الأزمات وحماية مصالحها. فقوة الدول لا تقاس بقدرتها على مواجهة الأزمات فحسب، بل بقدرتها على بناء البدائل، وتنويع خياراتها، والاستعداد للمستقبل في عالم تتغير فيه الممرات قبل أن تتغير الخرائط.
وفي يوم الوطن، نستحضر تلك المسيرة بما تحمله من تضحيات وإنجازات، ونستشرف مستقبلًا تواصل فيه المملكة بناء قوتها، وتعزيز أمنها، وتوسيع خياراتها.. دام عزك يا مملكة المجد، وكل عام والوطن بألف خير.