سلمان بن أحمد العيد
في الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام، تتجدد في المملكة العربية السعودية ذكرى وطنية راسخة في الوجدان، ويقف أبناء الوطن أمام صفحة مضيئة من تاريخ بلادهم؛ ذكرى توحيد المملكة العربية السعودية على يد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله-، وإعلان قيام المملكة عام 1932م. وتأتي مناسبة اليوم الوطني لتجسد مسيرة وطنٍ عريق، انتقل من صفحات التأسيس والبناء إلى آفاق واسعة من التنمية والتقدم، حاملًا إرث الماضي بثقة، ومضيًا نحو المستقبل بعزيمة وطموح.
ويأتي اليوم الوطني هذا العام تحت شعار «عزّنا بطبعنا»، وهو شعار يعكس مجموعة من القيم الأصيلة التي تميز المجتمع السعودي، وتترسخ في وجدان أبنائه جيلًا بعد جيل. فالعز ليس مجرد احتفال عابر، وإنما هو شعور متجذر بالانتماء والاعتزاز بالوطن، يظهر في الشجاعة والرؤية والأصالة والهمة والجود والكرم، وهي قيم أبرزتها الهوية الرسمية للمناسبة باعتبارها مكونات أساسية في شخصية المجتمع السعودي.
وتأتي هذه المناسبة الوطنية في ظل مسيرة تنموية متواصلة، تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظهما الله-، حيث تواصل المملكة مسيرتها في بناء الإنسان وتنمية المكان، وتعزيز حضورها في مختلف المجالات. وأصبح الطموح للمستقبل جزءًا أساسيًا من المشهد الوطني، مع ما تشهده المملكة من مشاريع وبرامج تنموية واقتصادية واجتماعية وتقنية تعكس توجهًا نحو مستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة.
إن الاحتفاء باليوم الوطني لا يعني الوقوف عند الماضي فحسب، بل هو مناسبة لاستحضار الدروس التي صنعت الحاضر، واستشراف المستقبل بروح أكثر ثقة وإصرارًا. فتاريخ المملكة يروي قصة وطن استطاع أن يجمع أطرافه تحت راية واحدة، وأن يؤسس دولة حديثة تقوم على مقومات راسخة من الأمن والاستقرار والوحدة، ثم واصل أبناؤه مسيرة البناء جيلاً بعد جيل حتى أصبحت التنمية عنوانًا حاضرًا في مختلف مناحي الحياة.
ومن هنا، فإن عبارة «فخر الماضي وضياء المستقبل» تختصر جوهر هذه المناسبة؛ فالماضي يمثل الجذور التي يستمد منها الوطن قوته وهويته، بينما يمثل المستقبل المجال الرحب الذي تتجه إليه الطموحات الوطنية. وبين الجذور والآفاق، يواصل المواطن السعودي دوره في صناعة قصة وطنه، من خلال العمل والإبداع والعلم والمسؤولية والمشاركة المجتمعية، لتصبح المواطنة ممارسة حقيقية تتجاوز مظاهر الاحتفال إلى السلوك والعطاء.
وفي الميدان التعليمي، يكتسب اليوم الوطني أهمية خاصة؛ فالمدرسة ليست مكانًا للتعلم الأكاديمي فحسب، بل هي بيئة لبناء القيم وتعزيز الهوية الوطنية لدى الأجيال الجديدة. ومن خلال الإذاعات المدرسية، والأنشطة الوطنية، والمسابقات، والمبادرات الطلابية، والفعاليات الثقافية والفنية، تتعرف الطالبات والطلاب على تاريخ وطنهم ومنجزاته، ويكتسبون معاني الاعتزاز بالهوية والانتماء والمسؤولية. وهنا تتحول المناسبة الوطنية إلى فرصة تربوية لغرس قيم العمل والطموح والمحافظة على مكتسبات الوطن.
كما يمثل اليوم الوطني مساحة واسعة للتعبير عن الحب والانتماء بوسائل متعددة، من الكلمة والصورة إلى المبادرة والعمل التطوعي والمشاركة المجتمعية. فالوطنية الحقيقية تتجسد في المحافظة على الممتلكات العامة، واحترام الأنظمة، والإسهام في خدمة المجتمع، والحرص على التعلم والإنجاز، وتمثيل الوطن بصورة مشرّفة في الداخل والخارج. وبذلك يصبح الاحتفال بالوطن امتدادًا لمسؤولية يومية يحملها كل فرد تجاه وطنه.
وتتجدد مشاعر الفخر بما تحقق، ويستمر التطلع إلى ما هو قادم. فالمملكة اليوم تنظر إلى المستقبل برؤية طموحة، وتعمل على تعزيز اقتصادها وتنمية قدرات أبنائها ودعم الابتكار والتقنية وتوسيع الفرص أمام الأجيال القادمة. وتؤكد مسيرة التنمية أن الطموح الوطني لا يرتبط بمرحلة زمنية محددة، بل هو مشروع مستمر يتجدد مع كل جيل.
إن اليوم الوطني السعودي ليس مجرد تاريخ في التقويم، بل حكاية وطن تتجدد فصولها كل عام؛ حكاية بدأت بتوحيد الأرض والراية، واستمرت بالبناء والعطاء، وتتجه اليوم نحو مستقبل واسع الآفاق. وفي هذه المناسبة، يبقى الاعتزاز بالماضي دافعًا للعمل، ويظل الحاضر مسؤولية، ويصبح المستقبل وعدًا يصنعه أبناء الوطن بعلمهم وطموحهم وإخلاصهم.
وهكذا يظل اليوم الوطني مناسبة تختصر مسيرة وطن، وتجمع بين أصالة الجذور وطموح المستقبل، وتؤكد أن عزّ المملكة بطبعها، وفخرها بماضيها، وثقتها بمستقبلها. إنها مناسبة يستحضر فيها الوطن تاريخه، ويحتفي بحاضره، ويفتح نوافذ الأمل أمام غده، في مشهد وطني يليق بمملكةٍ جعلت من العزيمة والبناء والطموح طريقًا نحو مستقبل أكثر إشراقًا.