صالح القبلان
في اليوم الوطني السعودي، تتجدد في الذاكرة حكاية وطنٍ لم يصنع مجده صدفة، ولم يكتب تاريخه على هامش الأحداث؛ بل شق طريقه بالعزم، وثبّت أركانه بالتضحيات، وأقام بنيانه على وحدة الأرض والإنسان، حتى غدت المملكة العربية السعودية اليوم واحدةً من الدول التي يُقرأ حضورها بثقلها، ويُقاس طموحها بما تصنعه لا بما تقوله.
في الثالث والعشرين من سبتمبر، نستعيد ذكرى اليوم الذي أعلن فيه الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- توحيد هذه البلاد تحت راية واحدة، بعد مسيرة شاقة من الكفاح، لتبدأ قصة وطنٍ اختار أن يصنع مستقبله بيده، وأن يحول صعوبة البدايات إلى قوة، وتحديات الأمس إلى إنجازات تتوالى جيلاً بعد جيل.
وليس الوطن مجرد حدودٍ جغرافية، ولا اسمًا يردده الناس في المناسبات؛ الوطن هو هويةٌ راسخة، وذاكرةٌ مشتركة، وأمنٌ نستظل به، ومستقبلٌ نشارك في صناعته. ولذلك فإن الاحتفاء باليوم الوطني ليس استدعاءً للماضي فحسب، وإنما هو وقفة اعتزاز بما تحقق، وتأمل فيما ينتظرنا من مسؤوليات وطموحات.
لقد تبدلت ملامح الحياة في المملكة خلال عقود قليلة بصورة تختصر الكثير من قصص الطموح والإنجاز. من دولةٍ في طور التأسيس إلى دولةٍ ذات حضور مؤثر في محيطها والعالم، ومن اقتصادٍ يقوم على موارد محدودة إلى اقتصاد يسعى إلى تنويع مصادره وتعظيم قدراته، ومن بدايات متواضعة إلى مشاريع كبرى تعكس حجم الطموح السعودي.
واليوم، تمضي المملكة في مرحلة جديدة يقودها طموح كبير، وتدفع بها رؤية السعودية 2030 نحو مستقبل أكثر تنوعًا وحيوية، مستثمرةً في الإنسان، وفي المعرفة، وفي الاقتصاد، وفي الثقافة والسياحة والرياضة، وفي كل مجال يمكن أن يضيف إلى مكانة الوطن وقدرته على المنافسة وصناعة الفرص.
ومع اتساع الإنجاز، تتعاظم المسؤولية. فالوطن الذي نفخر بما حققه، يحتاج منا أن نكون على قدر هذا الفخر؛ بالعمل الجاد، والإخلاص، واحترام النظام، والمحافظة على مكتسبات الوطن، والحرص على أن يكون كل فرد منا شريكًا في مسيرة البناء، لا مجرد متفرج عليها.
إن أعظم صور الوطنية ألا تبقى في حدود الكلمات والشعارات، وإنما أن تتحول إلى سلوك يومي، وأمانة في العمل، وإتقان في الأداء، ووعيٍ بحجم النعمة، وإدراكٍ بأن الأوطان لا تنهض بالأماني، وإنما بسواعد أبنائها وعقولهم وإخلاصهم.
وفي هذه المناسبة الغالية، نستذكر بإجلال الملك المؤسس ورجاله الذين وضعوا اللبنة الأولى لهذا الكيان العظيم، ونستحضر جهود الأجيال التي تعاقبت على البناء والتطوير، وننظر إلى حاضرنا باعتزاز، وإلى مستقبلنا بثقة وطموح.
وسيظل الوطن أكبر من مناسبة، وأبقى من احتفال، وأعمق من شعار.
إنه حكاية أجيال، وراية لا تنحني، وأرضٌ احتضنت تاريخًا عظيمًا، وشعبٌ اختار أن يجعل من الطموح طريقًا ومن الإنجاز عنوانًا.
وفي اليوم الوطني، لا نحتاج إلى كثير من الكلام لنقول ما في القلب؛ يكفي أن نرفع رؤوسنا اعتزازًا بهذا الوطن، وأن نحمد الله على نعمة الأمن والاستقرار، وأن ندعو الله أن يحفظ المملكة العربية السعودية وقيادتها وشعبها، وأن يديم عليها عزها ومجدها وأمنها وازدهارها.
كل عام والوطن شامخٌ بعزته، ثابتٌ في مكانته، ماضيًا إلى مستقبله بثقة واقتدار.
دام عزك يا وطن.. ودامت رايتك خفاقةً في سماء المجد.