طفلة النفيعي
ونحن نحتفي بذكرى اليوم الوطني، الذي يأتي هذا العام تحت شعار:
«عزّنا بطبعنا»
نستذكر في كل عام، ونحن نحتفي بهذه الذكرى الغالية، سيرة رجلٍ ارتبط اسمه بتوحيد هذا الكيان الشامخ وبناء دولته العظيمة؛ الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيَّب الله ثراه.
لقد كان الملك عبدالعزيز قائدًا ورمزًا استطاع، بعون الله، أن يوحّد البلاد، ويجمع أبناءها، ويؤسس وطنًا عظيمًا، ظل أثره حاضرًا في نفوس أبنائه وأحفاده وأبناء شعبه، جيلًا بعد جيل.
غير أن الحديث عن الملك عبدالعزيز لا يتوقف عند مشروع التوحيد وبناء الدولة، بل يمتد إلى الإنسان الذي كان وراء هذا المشروع؛ الإنسان الذي جمع بين قوة القائد، وحكمة السياسي، وشجاعة الفارس، وإنسانية الأب والأخ.
فقد كانت الأخلاق جزءًا أصيلًا من شخصيته القيادية؛ ظهرت في تعامله مع الناس، وفي عفوه عند المقدرة، وفي رحمته بمن حوله، وفي حرصه على أن تكون قوة الدولة مقرونة بالعدل وحسن التعامل والمساواة.
وهنا يكمن أحد المعاني المهمة في سيرة الملك عبدالعزيز؛ فالقوة قد تفرض الحضور، لكن الأخلاق هي التي تكسب القلوب، وتصنع الثقة، وتترك الأثر الباقي في النفوس.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الملك عبدالعزيز لم يجمع شتات البلاد ويوحّد أبناءها فحسب، بل أسّس كذلك علاقة راسخة بين القيادة والشعب، قوامها الثقة والرحمة وحسن التعامل.
ويحضرنا في هذا المقام قول الله تعالى:
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].
فاللين والرحمة وحسن التعامل مع الناس من أعظم أسباب اجتماع القلوب وكسب ثقتهم بقائدهم.
ولعل في سيرة الملك عبدالعزيز ومواقفه الإنسانية ما يؤكد أن قوة القيادة لا تتعارض مع الرحمة، وأن الحزم لا يلغي حسن الخلق؛ بل إن اجتماع هذه الصفات هو ما يصنع القائد الذي يبقى أثره في الناس والوطن.
الأمن.. ثمرة من ثمار بناء الدولة
وبفضل الله سبحانه وتعالى، ثم جهود الملك عبدالعزيز، اجتمع شتات أبناء هذا الوطن، وأصبحوا على قلب رجل واحد، بعد أن كانت شبه الجزيرة العربية تعيش حالة من الخوف وعدم الاستقرار، لا يأمن فيها الإنسان على نفسه.
ولم يكن توحيد البلاد مشروعًا سياسيًا وجغرافيًا فحسب، بل كان تأسيسًا لحياة جديدة قوامها الأمن والاستقرار، وهو ما جعل أثر تلك المرحلة حاضرًا في ذاكرة من عاصرها وشهد تحولاتها.
ومن الشهادات اللافتة في هذا الجانب شهادة الصحفي النمساوي المسلم محمد أسد، صاحب الكتاب الشهير «الطريق إلى مكة»، الذي عاش في الجزيرة العربية سنوات عدة، ونَعِم بصداقته للملك عبدالعزيز.
وقد وصف الملك عبدالعزيز بقوله:
«كان ابن سعود كريمًا وعادلًا في حياته الشخصية، وفيًّا لأصدقائه ومؤيديه، كما كان إزاء أعدائه في نبل وشهامة، ووهبه الله ذكاءً فطريًا فاق كثيرًا من أقرانه. لقد حقق بالفعل الأمن لكل شعبه في الأرجاء الشاسعة لبلاده».
ولم تكن شهادة أسد متعلقة بما حققه الملك عبدالعزيز على مستوى الدولة فحسب، بل امتدت إلى الجانب الإنساني من شخصيته، وإلى أثر علاقته به في نفسه؛ إذ يقول:
«كانت صداقة ابن سعود لي مثل ضوء دافئ يغمر كل جوانب حياتي».
وهذه العبارة، بما تحمله من مشاعر إنسانية صادقة، تفتح لنا نافذة أخرى على شخصية الملك عبدالعزيز؛ فالقائد الذي يحقق الأمن لشعبه، ويترك في الوقت نفسه هذا الأثر الإنساني فيمن عرفه، إنما يجمع بين قوة الدولة وقوة الأخلاق.
وهنا يتبادر إلى الذهن المثل الشعبي المتعارف عليه عند عامة الناس، وخاصة في منطقة نجد: «الضيف يتبع من جنابه لين»، وهو مثل يدل على الخصال الحميدة في المعاملة والكرم، ويتوافق في معناه مع شعار الاحتفاء لهذا العام: «عزّنا بطبعنا».
الشهامة والمروءة.. أخلاق القائد
ومن القيم والمواقف الأخلاقية التي تجلَّت في شخصية الملك عبدالعزيز -رحمه الله- الشهامة والمروءة والرحمة، وهي من أصيل الأخلاق العربية، المستمدة من تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف.
وتشهد على ذلك روايات تاريخية متعددة توثّق حرصه على رعاية النساء والأطفال في أعقاب المعارك التي قادها في مستهل مسيرة توحيد المملكة؛ فقد أمر بنقلهم إلى المخيم، وشدّد على رجاله بحسن رعايتهم، حتى إذا وصلوا إلى مكان آمن أطلق سراحهم جميعًا، كما ورد ذلك في كتاب «يوميات الدبدبة» ليوسف ياسين، إعداد وتحقيق الباحث في التاريخ الأستاذ قاسم الرويس.
وهذه المواقف، بما تحمله من معانٍ، تؤكد أن الشهامة والمروءة لم تكونا جانبًا عابرًا في شخصية الملك عبدالعزيز، وإنما كانتا جزءًا من رؤيته في التعامل مع الإنسان، حتى في أصعب الظروف.
الأميرة نورة.. موقف يكشف الجانب الإنساني
ومن أجمل ما يُكشف عنه في هذا الجانب الإنساني من شخصية الملك عبدالعزيز قصة تشع بالعطف والحب والمشاعر الأخوية الصادقة، ولا تخلو في الوقت نفسه من طرافة جميلة.
وهذه القصة موثقة في محتوى منشور عبر قناة دارة الملك عبدالعزيز على منصة يوتيوب، وتجسّد مدى حب الملك عبدالعزيز لشقيقته الأميرة نورة -رحمها الله- التي كانت داعمة ومساندة له في مسيرة حياته، وكانت موضع ثقته ومستودع أسراره.
فعندما وصلت أول طائرة إلى الرياض، أراد الملك عبدالعزيز أن تسافر بها الأميرة نورة لأداء فريضة الحج، لكنها خافت من ركوبها؛ لأنها كانت شيئًا غريبًا عليها.
فعلم الملك عبدالعزيز بذلك، وأتى بنفسه ليركب الطائرة قبلها؛ حتى يشعرها بالأمان والطمأنينة، ويزول عنها الخوف من هذه الآلة الغريبة.
ثم أخذ جولة قصيرة فوق مدينة الرياض، وعندما رأته الأميرة اطمأنت، ثم استقلت الطائرة متجهة إلى المنطقة الغربية.
وكانت الأميرة نورة أختَ «معزّي» وعزوته، التي ظل يعتز بها ويقدّر مكانتها طوال حياته. رحمهم الله جميعًا.
وتكشف هذه القصة جانبًا بالغ الدلالة في شخصية الملك عبدالعزيز؛ فالرجل الذي عُرف بالحزم والقوة في ميدان القيادة، لم تمنعه مكانته وهيبته من أن يتعامل مع شقيقته بحنان الأخ، وأن يشاركها مخاوفها، ويزيل عنها رهبة أمر لم تألفه.
وهنا تتجلى الأخلاق في صورتها الإنسانية البسيطة؛ موقف صغير في تفاصيله، لكنه كبير في دلالته، لأنه يكشف كيف يمكن للقيادة أن تجتمع مع الرحمة، وكيف يمكن للقوة أن تسكن إلى جانب المروءة وحسن التعامل.
حين تصبح الأخلاق أثرًا خالدًا
ونحن نستذكر سيرة الملك عبدالعزيز، لا نستحضر فقط قائدًا وحّد البلاد وأسس الدولة، وإنما نستحضر أيضًا إنسانًا أدرك أن القيادة الحقيقية لا تكتمل إلا بالأخلاق، وأن قوة القائد لا تُقاس بما يملك من حزم فحسب، بل بما يتركه من سيرة عطرة وأثر طيب في نفوس الناس.
لقد اجتمعت في شخصية الملك عبدالعزيز صفات القوة والرحمة، والحزم والمروءة، والقيادة والإنسانية؛ فكانت سيرته نموذجًا ترك أثره في الوطن والإنسان معًا.
ومن هنا، فإن شعار هذا العام «عزّنا بطبعنا» لا يحيل فقط إلى ما نفخر به من منجزات وطنية، بل يذكّرنا كذلك بقيم أصيلة ارتبطت بتاريخ هذه البلاد، وبأخلاق قادتها وأبنائها، وظلت حاضرة في مسيرة الوطن جيلاً بعد جيل.
نسأل الله أن يرحم الملك عبدالعزيز، وأن يجزيه خير الجزاء عما قدم لوطنه وشعبه، وأن يحفظ هذه البلاد ويديم عليها أمنها واستقرارها وعزها في ظل قيادتها الرشيدة. وأن يحفظ أبناء الملك عبدالعزيز وأحفاده، الذين واصلوا مسيرة البناء والتنمية، حتى غدت المملكة العربية السعودية اليوم وطنًا شامخًا، حاضرًا بثقله ومكانته بين دول العالم.
وفي يومنا الوطني، نتذكر قصة بناء الإنسان والوطن، ونستحضر سيرة قائد ترك أثرًا لا يزال حاضرًا في وجدان شعبه.
فالأوطان لا تُبنى بالقوة وحدها، وإنما تُبنى بالقيادة الحكيمة، والعدل، والرحمة، والأخلاق، وبالإنسان الذي يجعل من الوطن قضية حياة، ورسالة، ومسؤولية.
رحم الله المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، وجعل ما قدمه لوطنه وشعبه في موازين حسناته.
وحفظ الله المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا، وأدام عليها نعمة الأمن والوحدة والاستقرار.
وكل عامٍ ووطننا العظيم في أمنٍ وعزٍّ وازدهار.