عبد العزيز الموسى
تعود المناسبات الوطنية كل عام، لكن الوطن لا يعود إلى النقطة نفسها. فالتاريخ لا يتحرك في دائرة مغلقة، والدولة التي تتقدم هي التي تعرف كيف تحفظ ذاكرتها من دون أن تتحول إلى أسيرة لها، وكيف تجعل من تأسيسها الأول قدرة متجددة على البناء.
في الثالث والعشرين من سبتمبر نستعيد لحظة توحيد البلاد وإعلان المملكة العربية السعودية دولة واحدة، لكن قيمة تلك اللحظة لا تكمن في استعادتها بوصفها ذكرى فحسب، وإنما في المسيرة التي انطلقت منها. فقد كان التوحيد بداية بناء الدولة، ثم توالت مراحل ترسيخ مؤسساتها، وتوسيع التنمية، وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي، حتى أصبحت المملكة اليوم أمام سؤال مختلف: كيف تنتقل من المحافظة على ما تحقق إلى صناعة ما لم يتحقق بعد؟
من هنا يصبح اليوم الوطني أكثر من مناسبة لاستعادة الماضي؛ إنه فرصة لقراءة مسيرة دولة تتغير أدواتها من مرحلة إلى أخرى، بينما يبقى جوهرها راسخًا: دولة تعرف تاريخها، وتستثمر حاضرها، وتفتح آفاقها لما هو آتٍ.
وفي هذا السياق تكتسب ذكرى البيعة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز دلالتها الخاصة. فمنذ توليه الحكم، دخلت المملكة مرحلة واسعة من إعادة ترتيب الأولويات، وتطوير مؤسسات الدولة، وتسريع مسارات التنمية، ثم جاءت رؤية السعودية 2030 لتمنح هذا التحول إطارًا إستراتيجيًا واضحًا. وقد أقرّ مجلس الوزراء الرؤية في أبريل 2016 برئاسة الملك سلمان، بعد أن وُجِّه مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية بإعدادها.
ولعل ما يميز عهد الملك سلمان أن ما تحقق فيه لم يكن منفصلًا عن تاريخ الدولة، بل جاء امتدادًا له مع إعادة صياغة أدواته. فالدولة التي أرسى الملك عبدالعزيز وحدتها وأسس بناءها، وواصل أبناؤه ترسيخ مؤسساتها وتنميتها، وجدت في هذه المرحلة نفسها أمام عالم سريع التحول، يحتاج إلى اقتصاد أكثر تنوعًا، ومؤسسات أكثر كفاءة، وقدرات بشرية أكثر حضورًا، وأدوات جديدة للتأثير والمنافسة.
وفي قلب هذه المرحلة برزت رؤية الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بوصفها رؤية طموحة لا تكتفي بإدارة الإمكانات القائمة، بل تسعى إلى تحويلها إلى قدرات جديدة. ومنذ إطلاق رؤية 2030 أصبحت أهدافها وبرامجها ومؤشراتها جزءًا من آلية العمل الحكومي، فلم تعد مجرد تصور للمستقبل، بل مشروعًا تُقاس مراحله، وتُراجع مساراته، وتُبنى عليه سياسات وبرامج متتابعة.
وتكشف نتائج عام 2025 عن جانب من هذا التحول؛ فقد أظهر التقرير السنوي للرؤية أن 93 % من المؤشرات ذات القراءات المفعلة والمقاسة حققت أو قاربت مستهدفاتها السنوية، وأن 90 % من المبادرات إما اكتملت أو تسير على المسار المحدد لها. كما ارتفعت الصادرات غير النفطية إلى 166 مليار دولار في 2025، مقارنة بـ64.6 مليار دولار في 2016، وبلغ عدد العاملين في المنشآت الصغيرة والمتوسطة 8.88 مليون عامل.
لكن قيمة هذه الأرقام ليست في كثرتها، وإنما فيما تكشف عنه من تغير في طريقة النظر إلى إمكانات المملكة. فتنويع الاقتصاد يعني البحث عن مصادر جديدة للقوة، وتطوير السياحة والثقافة يحول عناصر من الهوية الوطنية إلى مجالات إنتاج وتأثير، والاستثمار في التقنية والذكاء الاصطناعي يفتح للمملكة موقعًا في اقتصاد المعرفة. ويظهر ذلك في التحول الرقمي؛ إذ صنّف تقرير رؤية 2030 لعام 2025 المملكة ثانية عالميًا في مؤشر نضج الحكومة الرقمية للبنك الدولي، وأولى دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في جاهزية الحكومة للذكاء الاصطناعي.
ومن هنا يمكن فهم التجدد بمعناه الأعمق: ليس قطيعة مع الأصل، ولا استيرادًا لنموذج جاهز، وإنما تطوير للأدوات بما يلائم العصر، مع الحفاظ على المقومات التي صنعت خصوصية التجربة السعودية. إنها محاولة لتوسيع مفهوم القوة السعودية؛ من الموارد والموقع والمكانة إلى المعرفة، والقدرة البشرية، والتقنية، والاستثمار، والثقافة.
ولذلك فإن ما تحقق في عهد الملك سلمان لا يُقرأ في كثرة المشروعات وحدها، وإنما في إعادة ترتيب طاقات الدولة وتوسيع مجال حركتها. كما أن قيمة رؤية الأمير محمد بن سلمان لا تنحصر في طموح أهدافها، وإنما في تحويل هذا الطموح إلى برامج ومؤشرات ومشروعات، وجعل سؤال التحول حاضرًا في إدارة الدولة اليوم.
ويبقى جوهر التجربة أن المملكة لم تبدأ من فراغ؛ فهي تدخل هذه المرحلة برصيد طويل من الاستقرار، وتجربة متراكمة في بناء الدولة، ومكانة دينية واقتصادية وسياسية، وموقع جغرافي استثنائي، ومجتمع شاب. وما يجري هو محاولة لجمع هذه العناصر في مشروع أكثر قدرة على استثمارها وصناعة أثرها.
لهذا فإن اليوم الوطني وذكرى البيعة لا يختزلان في استعادة ما مضى أو عدّ السنوات، بل يفتحان نافذة على مسيرة دولة انتقلت من التأسيس إلى البناء، ومن البناء إلى التطوير، ومن التطوير إلى التحول. وما تحقق ليس نهاية الطريق، بل قاعدة لما هو أبعد.
فالوطن الذي يتجدد هو الذي يجعل من تاريخه أساسًا، ومن حاضره عملًا، ومن طموحه أفقًا مفتوحًا.
وكل عام والمملكة العربية السعودية أكثر رسوخًا في مسيرتها، وأكثر اتساعًا في طموحها، وأكثر قدرة على صناعة مستقبلها، في أمنٍ واستقرار، واعتزازٍ بهويتها، وثقةٍ بما تستطيع أن تصنعه في قادم أيامها.