د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر
لم تكن العدالة في التجربة السعودية يوماً قيمةً طارئة صاحبت تطور مؤسسات الدولة، بل هي أصلٌ قامت عليه هذه الدولة المباركة، ومنهجٌ استمدت منه مشروعيتها، وركيزةٌ حققت بها أمنها واستقرارها؛ فالعدل لا يقتصر على الفصل في الخصومات فحسب، وإنما يشمل عدالة الحكم، وحماية الحقوق، واستقلال القضاء، وخضوع الجميع للأنظمة، وتحقيق التوازن الدقيق بين حقوق الفرد ومصلحة المجتمع، فكما أن العدل أساس الحكم، فإن الأمن ثمرة العدل، والتنمية لا تستدام إلا بهما معاً.
ومن هذا المنطلق الراسخ، نشأت الدولة السعودية على إقامة مرجعية تحفظ الحقوق، وترد المظالم، وتحمي الأنفس والأموال والطرق والتجارة؛ ولذلك ارتبط توحيد البلاد بتحقيق الأمن وإقامة القضاء والتحاكم إلى الشريعة الغراء، ولم تكن العدالة نتيجةً لاكتمال بناء الدولة بل كانت من أهم أسباب نشأتها واستقرارها؛ لأن الأمن القائم على القوة وحدها قد يكون مؤقتاً، أما الأمن القائم على حفظ الحقوق والمساواة أمام القضاء فهو أمن مستدام، وقد تجسد هذا الأصل الأصيل في المادة الثامنة من النظام الأساسي للحكم، التي قررت أن الحكم في المملكة يقوم على أساس العدل والشورى والمساواة وفق الشريعة الإسلامية.
وتتأكد هذه العدالة في بناء مؤسسات الدولة وحماية الحقوق؛ إذ تُبنى الثقة بين المواطن والمؤسسة حين يكون النظام واضحاً، ويطبق على الحالات المتماثلة بصورة متساوية، ويتيح الاعتراض على القرارات والأحكام، ويجعل ممارسة السلطة مقيدة بالاختصاص والإجراء والمشروعية، وقد كفل النظام الأساسي للحكم جملة من الضمانات، من أبرزها حماية حقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلامية في المادة السادسة والعشرين، واستقلال السلطة القضائية في المادة السادسة والأربعين، وكفالة حق التقاضي بالتساوي للمواطنين والمقيمين في المادة السابعة والأربعين، كما نصت المادة الأولى من نظام القضاء على استقلال القضاة ومنع التدخل في أعمالهم.ويتجلى هذا المفهوم المتقدم للعدالة بصورة عملية في نظام الإجراءات الجزائية، الذي منع القبض والتفتيش والتوقيف والسجن إلا في الأحوال النظامية، وحظر التعذيب والمعاملة المهينة للكرامة، وكفل للمتهم حق الاستعانة بمحام في مرحلتي التحقيق والمحاكمة، بل وأجاز لغير القادر مالياً في الجرائم الكبيرة طلب ندب محام للدفاع عنه على نفقة الدولة، وهذا يعكس عمق الرؤية التنظيمية التي لا تكتفي بفتح باب المحكمة، بل تضمن للمتقاضي قدرةً حقيقية على عرض حجته والدفاع عن حقه، ليصبح المبدأ السائد: للمواطن حقوق تحميها الدولة، وعليه واجبات تحفظ المجتمع، وللسلطة صلاحيات تقيدها الشريعة والأنظمة.
وفي مسيرة التطور التنظيمي والقضائي، لم يكن الانتقال التنظيمي في المملكة تحولاً من مرجعية إلى أخرى، وإنما كان انتقالاً من الأحكام الكلية إلى الصياغة النظامية التفصيلية، ومن الاجتهاد في الوقائع المتفرقة إلى قواعد مكتوبة أكثر وضوحاً واستقراراً؛ فالثابت هو مرجعية الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة، أما المتطور فهو وسائل تطبيق العدالة، ومنها إصدار الأنظمة المتخصصة، وإنشاء المحاكم والدوائر النوعية، وتطوير إجراءات التقاضي والإثبات والتنفيذ، وتنظيم الاعتراض على الأحكام، وتوظيف التقنية في الخدمات العدلية، ورفع كفاءة الممارسين والمتخصصين، وقد مثّل صدور أنظمة الإثبات والأحوال الشخصية والمعاملات المدنية نقلة نوعية؛ لما حققته من وضوح الحقوق والالتزامات، والحد من تفاوت الأحكام في الوقائع المتماثلة، وتعزيز استقرار الأسرة والمعاملات المدنية والتجارية، ومن صور هذا التطور المشهود الاعتراف بالدليل الرقمي، والتقاضي الإلكتروني، وتبادل المذكرات عن بُعد، واشتراط الاستعانة بمحام في عدد من الدعاوى والإجراءات التجارية، بما يرفع جودة الخصومة القضائية ويحمي مصالح أطرافها، تأكيداً على أن التقنين لا يستبدل الشريعة بل يوضح أحكامها المختارة، والثوابت تحفظ هوية النظام والتحديث يرفع كفاءته.
وامتداداً لهذا التميز، جعلت رؤية السعودية 2030 العدالة والشفافية وكفاءة المؤسسات جزءاً أساسياً من التنمية؛ لأن المواطن والأسرة والمستثمر والمنشأة يحتاجون جميعاً إلى بيئة تكون فيها الحقوق واضحة، والعقود مستقرة، والمنازعات محسومة بكفاءة، مما يتطلب في المرحلة المقبلة التركيز على عدة مسارات حيوية؛ تبدأ بالعدالة الوقائية من خلال وضوح الأنظمة وجودة العقود والامتثال لمنع النزاع قبل وقوعه، والاهتمام بجودة التنظيم بدراسة أثر الأنظمة قبل إصدارها وبعد تطبيقها، وتحقيق التكامل والعدالة الرقمية بتسهيل الوصول إلى القضاء دون عوائق، وحوكمة الذكاء الاصطناعي لحماية الخصوصية وبقاء القرار القضائي تحت المسؤولية البشرية، وتعزيز الصلح والوساطة والتحكيم كوسائلفاعلة، وصولاً إلى قياس الأثر العدلي بجودة الأحكام وسرعة التنفيذ وسهولة الوصول واتساق المبادئ القضائية، فالعدالة ليست حكماً سريعاً فقط، بل هي حكم صحيح، بإجراء عادل، وفي وقت مناسب، وقابل للتنفيذ.
وتقدّم التجربة السعودية اليوم نموذجاً فريداً يجمع بين أصالة المرجعية وحداثة الوسائل؛ فقد كانت العدالة أساساً في نشأة الدولة، ثم أصبحت أصلاً دستورياً للحكم، وتحولت إلى منظومة متكاملة من المؤسسات والأنظمة والضمانات، والتحدي في المرحلة المقبلة ليس مجرد إصدار مزيد من الأنظمة، وإنما أن تكون العدالة واضحة في التنظيم، مستقلة في القضاء، عادلة في الإجراءات، سريعة في الوصول، وفاعلة في التنفيذ، فكما بُنيت الدولة السعودية تاريخياً على العدل واستقر بها الأمن، فإنها اليوم تُبنى بالعدل ذاته دولةً أكثر كفاءةً وازدهاراً؛ تتطور أدواتها، وتبقى قيمها راسخة شامخة.