خالد الأنصاري
الأوطان لا تُقاس بمساحة الأرض وحدها، وإنما بما تحمله في ذاكرة أبنائها من تاريخ، وما تجمعهم عليه من قيم، وما تستنهضه في نفوسهم من معاني الانتماء والوفاء والمسؤولية.
ومن هنا يأتي اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية مناسبةً تتجاوز مظاهر الفرح والاحتفاء، لتكون وقفةً مع تاريخ وطنٍ عظيم، واستحضارًا لنعمة الوحدة، وتجديدًا للعهد على حفظها وتعزيزها.
ففي الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام، تستعيد المملكة ذكرى يومٍ خالدٍ من أيام تاريخها العريق؛ يوم توحّدت أجزاؤها تحت اسم المملكة العربية السعودية على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - بعد رحلة طويلة من الكفاح والبناء، تحولت معها الفرقة إلى اجتماع، والشتات إلى وحدة، والخوف إلى أمن، ونشأت دولة راسخة الأركان، ممتدة الأطراف، مجتمعةً تحت راية واحدة، وقيادة واحدة، ووطن واحد.
وللأوطانِ في دمِ كلِّ حرٍّ
يدٌ سلفتْ ودَينٌ مستحقُّ
إن الحديث عن اليوم الوطني هو - في جوهره - حديث عن الوحدة؛ لأن من أعظم ما أنجزه الملك عبدالعزيز - رحمه الله - جمع القلوب بعد تفرقها، وتوحيد الكلمة بعد شتاتها، وبناء كيان سياسي واجتماعي تتآلف تحت رايته مناطق الوطن وقبائله وأبناؤه.
وقد جاء الإسلام بتعظيم شأن الاجتماع والتحذير من التفرق، فقال الله تعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وقال سبحانه: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}، [الأنفال: 46].
فاجتماع الكلمة قوة، والتآلف حصن، والوحدة سياج يحفظ الأوطان بعد توفيق الله عز وجل؛ وما من أمة دبَّ إليها التنازع والفرقة؛ إلا أوهن قوتها، وبدد طاقتها، وفتح أبواب الشر عليها.
تأبى الرماحُ إذا اجتمعنَ تكسُّرًا
وإذا افترقنَ تكسَّرتْ آحادا
ولقد أدرك الملك عبدالعزيز -رحمه الله- أن بناء الدولة لا يكتمل بمجرد توحيد أقاليمها، وإنما يرسخ بإقامة مؤسساتها، وبسط الأمن، وتحكيم الشريعة، وربط أجزاء البلاد بعضها ببعض، وإشاعة الطمأنينة بين أهلها؛ فغدت تلك الوحدة أساسًا لمسيرة وطنية متماسكة، توارث أبناؤه الملوك من بعده مسؤولية صيانتها والبناء عليها.
وهذه الوحدة التي ننعم بثمارها اليوم؛ ليست حدثًا تاريخيًّا نقرؤه في صفحات الكتب فقط، بل هي أمانة وطنية ومسؤولية أخلاقية؛ فالأوطان التي بُنيت بالتضحيات لا تُصان بالشعارات، وإنما يحفظها وعي أبنائها، وصدق ولائهم، وقيامهم بواجباتهم، وتقديمهم المصلحة العامة على المصالح الضيقة.
ومن هنا فإن الاحتفاء باليوم الوطني؛ ينبغي أن يعزز في النفوس معنى الانتماء المسؤول؛ ذلك الانتماء الذي يحمل المواطن على أن يكون لبنة بناء لا معول هدم، ومصدر اجتماع لا سبب فرقة، وأن يدرك أن المحافظة على أمن وطنه واستقراره ووحدته، ليست مسؤولية جهة بعينها، بل هي مسؤولية يشترك فيها الجميع، كلٌّ بحسب موقعه وقدرته وإمكانياته.
فالمعلم يعزز الوحدة حين يغرس في نفوس طلابه قيم الانتماء والوفاء، والأب والأم حين يربيان أبناءهما على معرفة تاريخ وطنهم، واحترام مقدراته، والعالم والداعية حين يجمعان الناس على الحق ويحذرانهم من مسالك الفتنة والفرقة، والإعلامي حين يجعل من كلمته جسرًا للبناء لا بابًا للإثارة، والشاب حين يسخّر طاقته وعلمه وطموحه لخدمة وطنه.
وإذا كان اليوم الوطني يعيد إلى الذاكرة ملحمة التوحيد، فإنه يضع أمام الجيل الحاضر مسؤولية تعزيز الوحدة؛ إذ لكل جيل ميدانه في خدمة الوطن: كان ميدان الآباء والأجداد توحيد الأرض وتثبيت أركان الدولة، وميدان أجيال اليوم هو حفظ ذلك البناء، والمشاركة في نهضته، والذود عن وحدته، والمساهمة في مستقبله؛ بالعلم والعمل والإتقان.
إن الوحدة الوطنية لا تعني مجرد الاجتماع تحت اسم وطن واحد، وإنما هي شعور عميق بالمصير المشترك، وإيمان بأن قوة الجزء من قوة الكل، وأن ما يصيب منطقة من الوطن؛ يمس الوطن كله، وأن اختلاف البيئات والعادات واللهجات ليس عامل فرقة، بل لون من ألوان الثراء داخل الهوية السعودية الجامعة.
وإن من أعظم نعم الله على هذه البلاد، بعد نعمة الإسلام نعمة الأمن واجتماع الكلمة؛ فالأمن وعاء التنمية، والوحدة أساس الاستقرار، ولا يطيب عيش، ولا يزدهر اقتصاد، ولا ينتظم تعليم، ولا تُبنى حضارة في وطن تمزقه الخصومات، وتتنازعه الفتن.
ولهذا جاء دعاء إبراهيم عليه السلام لمكة بالأمن سابقًا لجملة من النعم، فقال سبحانه: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} [البقرة: 126].
لأن الأمن إذا استقر أقبل الناس على عمارة دنياهم، وإذا اضطرب اختلت مصالحهم وضاعت مكتسباتهم.
واليوم، ونحن نعيش هذه الذكرى الوطنية الغالية، فإن الوفاء للمؤسس ولرجاله الذين صنعوا ملحمة الوحدة لا يكون باستذكار مآثرهم فحسب، بل بالمحافظة على الثمرة التي غرسوها؛ أن يبقى هذا الوطن مجتمع الكلمة، شامخ الراية، عزيز الجانب، وأن نورث أبناءنا معنى الوحدة كما ورثناها عن آبائنا.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز - حفظهما الله - تمضي المملكة في مسيرة البناء والتطوير، مستندة إلى إرثها التاريخي، ومتطلعة إلى مستقبلها، في وطن يجمع بين أصالة الجذور، وطموح المستقبل.
وهنا يتجدد معنى الوطنية في أسمى صورها؛ فحب الوطن ليس كلمات تقال في مناسبة ثم تنقضي، وإنما هو دينٌ بالوفاء، وعملٌ بالبناء، ومسؤوليةٌ في المحافظة على الأمن والوحدة والمكتسبات.
ولله در القائل:
وطني لو شُغِلتُ بالخلد عنه
نازعتني إليه في الخلد نفسي
فكيف بوطنٍ شرّفه الله بالحرمين الشريفين، وجعل أرضه مهوى أفئدة المسلمين، وقبلة صلاتهم، ومتنزل الوحي ومبعث الرسالة؟ إن شرف المكان يضاعف المسؤولية، ويجعل خدمة هذا الوطن، والمحافظة على أمنه ووحدته، شرفًا يتوارثه أبناؤه جيلاً بعد جيل.
إن اليوم الوطني ينبغي أن يكون يوم ذاكرة ووفاء، ويوم وحدة وبناء؛ نستذكر فيه ماضينا لنزداد اعتزازًا، وننظر إلى حاضرنا لنزداد شكرًا، ونتطلع إلى مستقبلنا لنزداد عملاً.
فليس السؤال في هذه المناسبة: ماذا قدّم لنا الوطن ؟ بل ماذا قدمنا نحن له؟ وكيف نحفظ وحدته؟ وكيف نصون أمنه؟ وكيف نسهم في رفعته؟.
إن الوطنية الصادقة أن يتحول الحب إلى عمل دؤوب، والاعتزاز إلى إنجاز مستمر، والانتماء إلى مسؤولية.
فالوطن لا يحفظه الإعجاب بتاريخه وحده، وإنما يحفظه رجالٌ ونساءٌ؛ يعرفون قيمة ذلك التاريخ، ويصنعون له امتدادًا يليق به.
وفي يوم الوطن، ترتفع الأكف إلى الله تعالى أن يحفظ المملكة العربية السعودية، ويديم عليها نعمة الإسلام والأمن؛ والوحدة والاستقرار والرخاء، وأن يحفظ خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده، ويوفقهما لما فيه خير البلاد والعباد، وأن يرحم الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود؛ وأبناءه الملوك الراحلين، ويجزيهم عن وطنهم وشعبهم خير الجزاء.
إضـــــاءة:
ويبقى اليوم الوطني شاهدًا على أن أعظم منجزات التاريخ؛ ليست تلك التي تجمع الأرض، بل تلك التي تجمع القلوب عليها؛ وأن الوحدة التي صنعها الآباء بالأمس، أمانةٌ يصونها الأبناء اليوم، ويورثونها للأجيال غدًا.