د. حمود بن فلاح العتيبي
يحتفل الشعب السعودي بواحد من أغلى الأيام على قلوب أبنائه، اليوم الوطني السعودي، الذي يحمل في طياته معاني الحب والولاء والفخر بهذا الوطن العظيم. وليس اليوم الوطني مجرد مناسبة للاحتفاء بذكرى عزيزة، بل هو استحضار لمسيرة وطن تأسس على الوحدة، وترسخت هويته، واستمر بناؤه ونماؤه عبر عقود متواصلة.تعود بنا هذه الذكرى إلى عام 1932م، عندما أعلن الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- توحيد البلاد تحت راية واحدة، بعد مسيرة كفاح طويلة خاضها مع رجاله المخلصين. وكانت الجزيرة العربية تعيش آنذاك ظروفًا صعبة من الفرقة والاضطراب، فجاءت الوحدة لتؤسس مرحلة جديدة من الأمن والاستقرار والبناء، وتصبح المملكة العربية السعودية أرض الحرمين الشريفين، وبلاد التوحيد، ووطنًا يجتمع أبناؤه على راية واحدة.ومنذ توحيد المملكة، بدأت مسيرة متواصلة من البناء والتنمية، حتى أصبحت المملكة اليوم حاضرة بقوة في مختلف المجالات والمحافل العالمية، وفي ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، تشهد المملكة تحولًا تاريخيًا نحو المستقبل من خلال رؤية 2030، التي تسعى إلى تحقيق التنمية المستدامة، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز مكانة المملكة عالميًا، ووضع المواطن في صلب عملية التنمية.
في هذا السياق، يبرز مفهوم الانتماء الوطني والمواطنة باعتبارهما ليسا مجرد شعارات تُرفع في المناسبات، بل شعورًا أصيلًا وسلوكًا يوميًا، وإرثًا ثقافيًا تنتقل قيمه من جيل إلى جيل. فالانتماء يعكس الرابط الوثيق الذي يشد الإنسان إلى أرضه ومجتمعه، ويحوّل الحب الصادق للوطن إلى أفعال ملموسة تسهم في رفعته واستقراره.
وقد أودع الله في الإنسان حبًا فطريًا للأرض التي ينشأ عليها، وتجسد هذا الشعور في حياة الأنبياء، ومن ذلك ما عبّر عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- عند مغادرته مكة بقوله: «ما أطيبك من بلد وأحبك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك». وهو ما يؤكد أن محبة الوطن والانتماء إليه قيمة إنسانية أصيلة، عبّرت عنها الشرائع، وردد معانيها القادة والشعراء على مر العصور.
تعد المواطنة والانتماء للوطن من الصفات الجوهرية للمواطن الصالح، التي تحرص الأمم على غرسها وترسيخها في نفوس أبنائها؛ لأنها تشكل ركيزة أساسية في حماية الأوطان واستقرار المجتمعات. وتظهر أهمية هذه القيم بصورة أكبر في أوقات الشدة، عندما تحيط الأخطار بالوطن، سواء كانت خارجية أو داخلية؛ إذ إن ضعف الانتماء وقيم المواطنة قد يتيح للمفسدين والمخربين العبث بالأمن وإشاعة الفساد والاضطراب.
من هنا فإن ترسيخ الانتماء الوطني مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، بوصفها النواة الأولى التي تغرس حب الوطن في نفوس الأبناء، ثم تأتي المدرسة لتصقل هذا الحب بالعلم والمعرفة، ويعزز الإعلام الوعي برسائل إيجابية تسهم في بناء إدراك جمعي متماسك. وبذلك ينشأ الأبناء حاملين شرف الانتماء ووعي المسؤولية، قادرين على دعم استقرار وطنهم والمساهمة في نهضته.والشعب السعودي بطبيعته يعتز بهذه القيم، وقد أسهمت الوحدة الوطنية منذ توحيد البلاد في جمع أبناء الوطن على اختلاف مناطقهم وأصولهم القبلية ومذاهبهم، ليكونوا شعبًا واحدًا في السراء والضراء. ويظهر هذا التلاحم بوضوح في اللحظات التاريخية، حين يصبح الولاء للوطن وإعلاء مصالحه العليا أساسًا للسلوك والعمل، ودعامة لاستقرار المجتمع وأمنه وازدهاره.
كما يقدم المجتمع السعودي نموذجًا متفردًا في الجمع بين الانتماء الوطني والهوية الإسلامية، إذ يقوم نظام المملكة الأساسي للحكم على مبادئ راسخة تؤكد المحافظة على الوحدة الوطنية، وترسيخ العقيدة الإسلامية، وتعزيز الولاء والانتماء للوطن، ومنع الفرقة، كما ورد في مواده (9، 12، 13، 33).
ويُعد الدفاع عن الوطن والعقيدة واجبًا على كل مواطن، ويزداد عمق هذا الانتماء بما تنعم به المملكة من أمن واستقرار، وباحتضانها للحرمين الشريفين، وما يمثله ذلك من مكانة دينية عظيمة تعزز مشاعر الفخر والمسؤولية، وتجعل المحافظة على الوطن واجبًا دينيًا ووطنيًا في آن واحد.
تأتي المملكة اليوم في مرحلة تنموية متقدمة، جعلت الإنسان محورًا أساسيًا في عملية التنمية، من خلال تمكين الشباب، وتعزيز الابتكار، وتوسيع مجالات التطوع والمبادرات الوطنية، لتتحول المواطنة من مفهوم معنوي إلى ممارسة حقيقية، ويتجسد الانتماء الوطني في العمل والإنجاز وخدمة المجتمع والمحافظة على مكتسبات الوطن.
ومن واجب كل أب وأم أن يغرسوا في قلوب أبنائهم حب الوطن والانتماء إليه، فالأطفال الذين ينشؤون على هذه القيم يصبحون مواطنين صالحين، يساهمون في بناء وطنهم والحفاظ على مكتسباته. كما أن ما تنعم به المملكة من أمن ورخاء واستقرار هو نعمة عظيمة تستحق المحافظة عليها، وهي ثمرة لتلاحم القيادة مع الشعب، والثقة المتبادلة بينهم.
ومع احتفالنا باليوم الوطني، فإن استحضار مسيرة الوطن لا ينبغي أن يقف عند حدود الاحتفال، بل يتجاوز ذلك إلى تجديد الشعور بالمسؤولية، ودعم مسيرة البناء والتنمية، والإسهام في تحقيق مستهدفات رؤية 2030، التي تمثل خارطة طريق لمستقبل المملكة، وتفتح أمام المواطن آفاقًا واسعة للمشاركة والعطاء.
إن الانتماء والمواطنة والهوية الوطنية ليست حالات عابرة، بل منظومة قيمية متجذرة، ووعي راسخ، ومسؤولية مستمرة، تُترجم في عمل صادق يليق بتضحيات الأجداد وتطلعات الأجيال القادمة.
فالوطن ليس مجرد حدود على الخريطة، بل معنى يسكن الوجدان، وهوية نصونها، ورسالة نؤديها، وحلم جماعي نصنعه معًا من أجل حاضر مزدهر ومستقبل آمن. فالانتماء الوطني والمواطنة الصالحة وجهان لعملة واحدة، وبهما تُبنى الأوطان وتُصان الهويات، ويظل غرس هذه القيم استثمارًا في الإنسان وركيزة لأي نهضة حقيقية أو تنمية مستدامة، لتبقى الأجيال القادمة حاملة لرسالة الوطن، وحافظة لأمنه، وواضعة لبناته نحو العزة والازدهار.
وفي هذه الذكرى الغالية، لا يسعنا إلا أن نعبر عن فخرنا بوطننا وانتمائنا إليه، وولائنا لقيادتنا التي جعلت من المملكة نموذجًا حاضرًا في مختلف المحافل، سائلين الله أن يديم على وطننا نعمة الأمن والأمان، وأن يحفظ قيادته الحكيمة وجنوده البواسل، وأن يظل وطننا الغالي عزيزًا شامخًا، متقدمًا ومتطورًا نحو مستقبل أكثر إشراقًا وازدهارًا.
كل عام والمملكة العربية السعودية بخير، وكل عام ووطننا عزيز وغالٍ في قلوبنا.